ويقول عنه الفخري : " انه لم يجد للأمين شيئا من سيرته يستحسنه
فيذكره " ( 1 ) .
احتجابه عن الرعية :
ومن نزعاته انه كان ينفر من الناس تكبرا عليهم ، فقد احتجب عن رعيته
وأهالي مملكته ، وقد خف إليه إسماعيل بن صبيح ، وكان أتيرا عنده ، فقال له :
" يا أمير المؤمنين ان قوادك وجندك وعامة رعيتك قد خبثت نفوسهم وساءت
ظنونهم ، وكبر عندهم ما يرون من احتجابك عنهم ، فلو جلست لهم ساعة من نهار
فدخلوا عليك فان في ذلك تسكينا لهم ومراجعة لآمالهم . . . " .
واستجاب الأمين لهذه النصيحة ، فجلس في بلاطه ، ودخل عليه الشعراء
فمدحوه في قصائدهم ، وهو لا يفهم ما يقولون ، ثم انصرف عن الناس فركب
الحراقة إلى ( الشماسية ) ، واصطفت له الخيل ، وعليها الرجال ، وقد اصطفوا على
ضفاف دجلة وحملت معه مطابخ القصر ، وما فيه من الخزائن .
أما الحراقة التي ركبها فكانت سفينة صنعت شبيهة بالأسد ، وما رأى الناس
منظرا أبهى ولا أجمل من ذلك المنظر ، وكان معه في السفينة أبو نواس ينادمه وقال
يصف تلك السفينة :
سخر الله للأمين مطايا * لم تسخر لصاحب المحراب ( 2 )
فإذا ما ركبه سرن بحرا * سار في الماء راكبا ليث غاب
أسدا باسطا ذراعيه يعدو * أهرت الشدق كالح الأنياب ( 3 )
لا يعانيه باللجام ولا السوط * ولا غمز رجله في الركاب
عجب الناس إذ رأوك على صورة * ليث يمر مر السحاب
سجوا إذ رأوك سرت عليه * كيف لو أبصروك فوق العقاب ( 4 )
ذات زور ومنسر وجناحين * تشف العباب بعد العباب
تسبق الطير في السماء إذ ما * استعجلوها بجيئة وذهاب
هامش
( 1 ) الآداب السلطانية ( ص 212 ) .
( 2 ) صاحب المحراب : هو سليمان بن داود الذي بنى بيت المقدس .
( 3 ) اهرت الشدق : واسعه ، كالخ الأنياب : أي كاشرها .
( 4 ) العقاب : إحدى السفن التي كانت معدة للأمين .