يا هارون : هجمت على بيت مال المسلمين بغير رضاهم ، هل رضى بفعلك
المؤلفة قلوبهم ، والعاملون عليها في أرض الله ، والمجاهدون في سبيل الله وابن
السبيل ؟ أم رضى بذلك حملة القرآن وأهل العلم - يعني العاملين - أم رضى بفعلك
الأيتام ؟ والأرامل ؟ أم رضى بذلك خلق من رعيتك ، فشد يا هارون مئزرك * وأعد
للمسألة جوابا ، وللبلاء جلبابا ، واعلم أنك ستقف بين يدي الله الحكم العدل ، فاتق
الله في نفسك إذا سلبت حلاوة العلم والزهد ولذة قراءة القرآن ، ومجالسة الأخيار ،
ورضيت لنفسك أن تكون ظالما ، وللظالمين إماما .
يا هارون : قعدت على السرير ، ولبست الحرير ، وأسبلت ستورا دون بابك
وتشبهت بالحجة برب العالمين ، ثم أقعدت أجنادك الظلمة دون بابك وسترك ،
يظلمون الناس ، ولا ينصفون ، ويشربون الخمر ، ويحدون الشارب ، ويزنون ،
ويقتلون القاتل ، أفلا كانت هذه الأحكام عليك وعليهم قبل أن يحكموا بها على
الناس ، فكيف بك يا هارون غدا إذا نادى المنادي من قبل الله احشروا الظلمة
وأعوانهم ، فتقدمت بين يدي الله ، ويداك مغلولتان إلى عنقك لا يكفهما الا عدلك
وانصافك والظالمون حولك ، وأنت لهم إمام أو سائق إلى النار وكأني بك يا هارون
وقد أخذت بضيق الخناق ، ووردت المساق . وأنت ترى حسناتك في ميزان غيرك ،
وسيئات غيرك في ميزانك على سيئاتك بلاء على بلاء ، وظلمة فوق ظلمة ، فاتق الله يا
هارون في رعيتك واحفظ محمدا ( ص ) في أمته ، واعلم أن هذا الامر يصر إليك إلا
وهو صائر إلى غيرك ، وكذلك الدنيا تفعل بأهلها واحدا بعد واحد فمنهم من تزود
زادا نفعه ، ومنهم من خسر دنياه وآخرته ، وإياك ثم إياك أن تكتب إلي بعد هذا فاني
لا أجيبك والسلام . . . " .
ثم بعث بالكتاب من غير طي ولا ختم ( 1 ) وحكى هذا الكتاب تصرف هارون
بأموال المسلمين ، وانفاقها في غير جهاتها المشروعة كما حكت هذه الرسالة ايمان
سفيان وقوة شخصيته ، ونكرانه لذاته . . . وبهذه الرسالة نطوي الحديث عن حكومة
هارون .
هامش
( 1 ) حياة الإمام موسى بن جعفر 2 / 55 - 57 نقلا عن حياة الحيوان للدميري 2 / 188 .