وأصغر أملي فيك فوقه وإن كان استحقاقي دونه . فإن أقض واجب حقّ اللَّه علىّ في شكر نعمك فبتوفقه وعونه ، وإن أقصّر عن كنهه فعن غير تقصير في بلوغ الجهد فيه . وفي هذا الكتاب : أمّا ما بذل الأمير من ماله ، فذلك ما قد سبق الرجاء بل اليقين إليه ، معرفة منّي بطوله وكرمه ، وليس ينكر أياديه ولا بدع صنائعه . وما يرشدني أملي بعد اللَّه إلَّا إليه ، ولا أفزع ( 1 ) لحادثة إلى غيره ، ولا أتضاءل لنائبة معه . ولو عجزت عن النّهضة لما حاولت الاستقلال والانتعاش إلَّا به . ومال الأمير الكثير المذخور عند انقطاع الحيل ، لا معنّف طالبه ، ولا مخوّف على الردّ عنه واهبه ، ولا عائق منع دونه ، ولا تنغيص من ورائه ؛ ولا كنز أولى بالصون وأن يجعل وقفا على النوائب والعواقب من كنز من هذه حاله . قالت بنو تميم لسلامة بن جندل ( 2 ) : مجّدنا بشعرك ؛ فقال : افعلوا حتّى أثني . ونحوه قول عمرو بن معد يكرب ( 3 ) : [ طويل ]
عيون الأخبار — صفحة 184
مساهمون: ابن قتيبة الدينوري
ص١٨٤
فلو أنّ قومي أنطقتني رماحهم * نطقت ولكنّ الرّماح أجرّت ( 4 )
قال رجل من قريش لأشعب : واللَّه ما شكرت معروفي عندك ؛ فقال : إنّ معروفك كان من غير محتسب ، فوقع عند غير شاكر .
هامش
( 1 ) أفزع : ألتجىء .
( 2 ) هو سلامة بن جندل بن عبد عمرو من بني كعب بن سعد التميمي ، أبو مالك . شاعر جاهلي من الفرسان من أهل الحجاز .
( 3 ) هو عمرو بن معدي كرب بن ربيعة بن عبد اللَّه الزبيدي فارس اليمن وصاحب الغارات المذكورة . قتل عطشا يوم القادسية .
( 4 ) أجرّت : قطعت ، يقول : لو قاتل قومي أو أبلو لذكرت ذلك وفخرت بهم ، لكن رماحهم قطعتني عن الكلام لفرارهم .