قالت امرأة لبعلها ورأته مهموما : ممّ همّك ؟ أبالدّنيا فقد فرغ اللَّه منها أم بالآخرة فزادك اللَّه همّا ! . الثوريّ قال : قال المسيح : « حبّ الدنيا أصل كلّ خطيئة والمال فيها داء كثير ؛ قيل : ما داؤه ؟ قال : لا يسلم صاحبه من الفخر والكبر ؛ قيل : وإن سلم ؟ قال : يشغله إصلاحه عن ذكر اللَّه » . بلغني عن محمد بن فضيل قال : حدّثنا عبد اللَّه بن عبد الرحمن عن سالم بن أبي الجعد عن أبي الدرداء قال : يأهل حمص ، مالي أراكم تجمعون كثيرا ، وتبنون شديدا ، وتأملون بعيدا ؟ إنّ من قبلكم جمعوا كثيرا وبنوا شديدا وأملوا بعيدا فصار جمعهم بورا وصارت مساكنهم قبورا وأملهم غرورا . وفي رواية أخرى : يأهل دمشق ، مالكم تجمعون ما لا تأكلون ، وتبنون ما لا تسكنون ، وتأملون ما لا تدركون ؟ ألا إن عادا وثمود كانوا قد ملؤا ما بين بصرى وعدن أموالا وأولادا ونعما ، فمن يشتري منّي ما تركوا بدرهمين ؟ بلغني ( 1 ) عن داود بن المحبّر عن عبد الواحد بن الخطَّاب قال : أقبلنا قافلين من بلاد الروم نريد البصرة ، حتى إذا كنا بين الرّصافة وحمص ، سمعنا ( 2 ) صائحا يصيح من بين تلك الرمال - سمعته الآذان ولم تره العيون - يقول : يا مستور يا محفوظ ، اعقل ( 3 ) في ستر من أنت ! فإن كنت لا تعقل من أنت في ستره فاتّق الدنيا فإنها حمى اللَّه ؛ فإن كنت لا تعقل كيف تتّقيها فصيّرها شوكا ثم انظر أين تضع قدميك منها ! .
عيون الأخبار — صفحة 357
مساهمون: ابن قتيبة الدينوري
ص٣٥٧
هامش
( 1 ) ورد هذا الخبر في العقد الفريد ( ج 3 ص 174 ) باختصار واختلاف عما هنا .
( 2 ) في نفس الصفحة من المصدر السابق : « سمعنا صوتا من تلك الجبال ، تسمعه آذاننا ولا تبصره أبصارنا » .
( 3 ) في نفس المصدر السابق والصفحة : « انظر » بدل « اعقل » .