إلا فيها ، ما أخذ أهلها منها لها خرجوا منه ثم حوسبوا به ، وما أخذ منها أهلها لغيرها خرجوا منه ثم أقاموا فيه ، وكأن قوما من أهل الدنيا ليسوا من أهلها ، هم فيها كمن ليس فيها ، عملوا بما يبصرون وبادروا ما يحذرون ، تتقلَّب أجسادهم بين ظهراني أهل الدنيا ، وتتقلَّب قلوبهم بين ظهراني أهل الآخرة ، يرون الناس يعظَّمون وفاة أجسامهم وهم أشدّ تعظيما لموت قلوب أحيائهم . فسألت عن الكلام فلم أجد من يعرفه .
وقال المسيح عليه السلام : « الدّنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها » وفي بعض الكتب : أن اللَّه تعالى أوحى إلى الدنيا « من خدمني فاخدميه ، ومن خدمك فاستخدميه » .
قال بعض العابدين يذكر الدنيا : [ طويل ]
لقد غرّت الدنيا رجالا فأصبحوا * بمنزلة ما بعدها متحوّل ( 1 ) فساخط أمر لا يبدّل غيره * وراض بأمر غيره سيبدّل
وبالغ أمر كان يأمل دونه * ومختلج ( 2 ) من دون ما كان يأمل
وقال آخر يذكر الدنيا : [ بسيط ]
حتوفها رصد وعيشها رنق * وكرّها نكد وملكها دول ( 3 )
وقال آخر ( 4 ) : [ طويل ]
هامش
( 1 ) وردت هذه الأبيات في العقد الفريد ( ج 3 ص 175 ) .
( 2 ) في نفس الصفحة من المصدر السابق : « ومخترم » بدل « ومختلج » .
( 3 ) رصد ؛ مترصّدة مترقّبة . ورنق : كدر .
( 4 ) أورد ابن عبد ربه هذا الشعر في العقد الفريد ( ج 3 ص 176 ) وقال : « وما سمعت من صفة الدنيا والسبب الذي يحبها الناس لأجله بأبلغ من قول القائل » وذكر البيتين . والمعنى : يريد أن الناس بنو الدنيا وأنهم منها ، ولهذا كانت محبّبة إليهم .