أداوي أدواءكم بالسيف ما اكتفيت بالسّوط ، ولا أبلغ السوط ما كفتني الدّرّة ( 1 ) ، ولا أبطىء عن الأولى إن لم تصلحوا عن الأخرى ، ناجزا يناجز ، ومن حذّر كمن بشّر فدعوا قال ويقول من قبل أن يقال فعل ويفعل ؛ فإن هذا اليوم ليس فيه عقاب ، ولا بعده عتاب .
خطبة ( 2 ) لعبد اللَّه بن الزّبير
خطب عبد اللَّه بن الزّبير حين قتل أخوه مصعب ( 3 ) فقال :
الحمد للَّه الذي يعزّ من يشاء ويذلّ من يشاء . إنه لن يذلّ من كان الحقّ معه وإن كان فردا ، ولن يعزّ من كان أولياء الشيطان حزبه وإن كان معه الأنام .
أتانا خبر من قبل العراق أجزعنا وأفرحنا : قتل مصعب رحمه اللَّه . فأما الذي أحزننا من ذلك فإنّ لفراق الحميم لذعة يجدها حميمه عند المصيبة به ثم يرعوي بعدها ذوو الرأي إلى جميل الصبر وكريم العزاء . وأما الذي أفرحنا من ذلك فعلمنا أنّ قتله شهادة ، وأن ذلك لنا وله الخيرة . ألا إن أهل العراق أهل الشقاق والنفاق باعوه بأقلّ ثمن كانوا يأخذونه به . إنا واللَّه ما نموت حبجا ( 4 ) ولا نموت إلا قتلا ، قعصا ( 5 ) بالرماح تحت ظلال السيوف ، ليس كما تموت بنو مروان ؛
هامش
( 1 ) الدّرّة : السّوط والمراد هنا سوط صغير .
( 2 ) وردت هذه الخطبة في العقد الفريد ( ج 4 ص 109 - 110 ) مع اختلاف كبير عما هنا .
( 3 ) قتله عبد الملك بن مروان سنة 71 ه ، وقد تقدمت ترجمة مصعب بن الزبير في الحاشية رقم 2 من ص 102 من الجزء الأول من هذا الكتاب .
( 4 ) ما نموت حبجا : ما نموت بالتّخمة ؛ يقال : حبج البعير يحبج حبجا : إنتفخ بطنه من أكل العرفج ( شجر سهليّ ) لأنه يتعقّد فيه وييبس حتى يتمرّغ من وجعه ويزحر . وهنا يعرّض ببني مروان لكثرة أكلهم وإسرافهم في ملاذ الدنيا وأنهم يموتون بالتّخمة .
( 5 ) قعصا : قتلا ، أي أصابته ضربة أو رمية فمات مكانه ؛ يقال : قعصه : قتله مكانه .