تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عيون الأخبار — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩

خطبة ( 1 ) لمعاوية رحمه اللَّه

بلغني عن شعيب بن صفوان قال : خطب معاوية فقال : أيها الناس ، إنّا قد أصبحنا في دهر عنود ، وزمن شديد ، يعدّ فيه المحسن مسيئا ، ويزداد الظالم فيه عتوّا ، لا ننتفع بما علمنا ، ولا نسأل عمّا جهلنا ، ولا نتخوّف قارعة حتى تحلّ بنا . فالناس أربعة أصناف : منهم من لا يمنعه من الفساد في الأرض إلا مهانة نفسه وكلال حدّه ونضيض وفره ( 2 ) ؛ ومنهم المصلت لسيفه والمجلب بخيله ورجله والمعلن بشرّه ، قد أشرط ( 3 ) نفسه وأوبق دينه لحطام ينتهزه أو مقنب ( 4 ) يقوده أو منبر يفرعه ( 5 ) ، ولبئس المتجران تراهما لنفسك ثمنا ومما عند اللَّه عوضا . ومنهم من يطلب الدنيا بعمل الآخرة ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا قد طامن ( 6 ) من شخصه وقارب من خطوه ، وشمّر من ثوبه ، وزخرف نفسه للأمانة ، واتخذ ستر اللَّه ذريعة إلى المعصية . ومنهم من أقعده عن طلب الملك ضؤولة ( 7 ) في نفسه وانقطاع من سببه ، فقصّر به الحال عن أمله ، فتحلَّى باسم القناعة وتزيّن بلباس الزّهّاد ، وليس من ذلك في مراح ولا مغدى . وبقي رجال غضّ أبصارهم ذكر المرجع ، وأراق دموعهم خوف المحشر فهم بين شريد
هامش
( 1 ) وردت هذه الخطبة في العقد الفريد ( ج 4 ص 88 - 89 ) مع اختلاف في العبارات وزيادات ونقصان ؛ قال ابن عبد ربه إنها قيلت عندما مرض معاوية مرض وفاته . وانظرها أيضا في البيان والتبيين ( ج 2 ص 241 - 242 ) . ( 2 ) نضيض وفره : قلة ماله . ( 3 ) أشرط نفسه : أعلمها . وأربق دينه : أهلكه . ( 4 ) المقنب : الجماعة من الخيل ما بين الثلاثين إلى الأربعين . ( 5 ) يفرعه : يعلوه . ( 6 ) طامن من شخصه : خفض . ( 7 ) الضّؤولة : الضآلة ؛ يقال : ضؤك الرجل يضول ضآلة وضؤولة : كان ضئيلا .