نادّ ( 1 ) ، وخائف منقمع ( 2 ) ، وساكت مكعوم ( 3 ) ، وداع مخلص ، وموجع ثكلان ، قد أخملتهم التقيّة ، وشملتهم الذّلَّة ، فهم في بحر أجاج ( 4 ) ، أفواههم ضامرة ، وقلوبهم قرحة ، قد وعظوا حتى ملَّوا ، وقهروا حتى ذلَّوا ، وقتلوا حتى قلَّوا .
فلتكن الدنيا في أعينكم أصغر من حثالة القرظ وقراضة ( 5 ) الجلم ، واتّعظوا بمن كان قبلكم قبل أن يتّعظ بكم من بعدكم ، وارفضوها ذميمة ، فإنها قد رفضت من كان أشغف بها منكم .
خطبة ( 6 ) ليزيد بن معاوية بعد موت معاوية
خطب فقال : إن معاوية كان حبلا من حبال اللَّه ، مدّه ما شاء أن يمدّه ، ثم قطعه حين شاء أن يقطعه ؛ وكان دون من قبله وهو خير ممن بعده ، ولا أزكَّيه عند ربه ، وقد صار إليه فإن يعف عنه فبرحمته ، وإن يعاقبه فبذنبه ، وقد وليت الأمر بعده ، ولست أعتذر من جهل ولا أشتغل بطلب علم . وعلى رسلكم ( 7 ) ! إذا كره اللَّه أمرا غيرّه .
هامش
( 1 ) النادّ : النافر الذاهب على وجهه . وفي العقد الفريد ( ج 4 ص 89 ) : « باد » .
( 2 ) منقمع : مستخف .
( 3 ) المكعوم من الإبل : الذي يشدّ لئلَّا يعض أو يأكل ، شبه به الساكت .
( 4 ) أجاج : مالح مرّ . والأجاج من الماء : المرّ من الماء كماء البحر أو الملح .
( 5 ) الحثالة : الزوان ونحوه يكون في الطعام وما يسقط من قشر الشعير والأرز ، وحثالة القرظ : بقيته . والقرظ : حب السّلم ويعتصر منه الأقاقيا وهي ما يتداوى به عند الأطباء ، والسّلم : شجر يدفع به . والقراظة : ما سقط بالقرض كقراضة الثوب . والجلم : الذي يجزّ به الشّعر والصوف .
( 6 ) انظر هذه الخطبة في العقد الفريد ( ج 4 ص 89 ) .
( 7 ) على رسلكم : أي اتئّدوا ولا تعجلوا .