فصل - قد التمست مواجهتك بشكرك ووصف ما أجنّ ( 1 ) لك وأخلص من ودّك وأجلّ من قدرك وأعتدّ من إحسانك ، فلفتني عن ذلك تعذّر الخلوة مع انقباض وحشمة . فصل - قد أغنى اللَّه بكرمك عن ذريعة إليك ؛ وما تنازعني نفسي إلى استعانة عليك إلا أبى ذلك حسن الظنّ باللَّه فيك ، وتأميل نجح الرغبة إليك دون الشفعاء عندك . فصل - مثلك تقرّب إلى اللَّه بالتواضع لنعمته ، والإغاثة لمستغيثه ، والعائدة ( 2 ) على راجيه بفضله . فصل - تبّا لمن يأتي رأيك ! وقبحا لعزوب ( 3 ) عقلك ، وأفن ( 4 ) تدبيرك ! ما أبعد مذهبك في الخطأ ، وأسوأ أثرك على السلطاه ، وأقصر باعك عن النهوض ! جزالة تعقدك ، ومهانة تضرعك ، وزهو يعلوك ، ونخوة يشمخ لها عرنينك . لقد انصرف رأي أمير المؤمنين عنك ، ودعوت له عتبك ، وكشفت له عن قناع سترك ، واجتررت إليك سخطته وعطفت نحوك موجدته ، وكنت على نصيبك منه والضنّ بمنزلتك عنده أولى تقدّما وأقرب رشدا . واللَّه الغنيّ الحميد . أصحاب السلطان ثلاثة : رجل يجعل الدنيا نصب عينه ، ينصب فيها للخاصّة مكايده ، ويرفع عن مصلحة العامّة همّته ، يذهله عن التقوى الهوى ، وتنسيه أيام القدرة العثرة ، حتى تنصرم مدّته وتنقضي دولته ، لم يرتهن بدنياه
عيون الأخبار — صفحة 248
مساهمون: ابن قتيبة الدينوري
ص٢٤٨
هامش
( 1 ) ما أجنّ لك : ما أضمر لك من محبة ؛ يقال : جنّ الشيء عنه : إستتر .
( 2 ) العائدة : اسم من عادة بمعروفه إذا أقبل .
( 3 ) عزوب العقل : غيابه ؛ يقال عزب الشييء عنه يعزب : غاب وخفي .
( 4 ) الأفن : ضعف الرأي والتدبير .