وكان يقال : كلّ شيء ثنيته يقصر ما خلا الكلام ، فإنّك كلَّما ثنيته طال . قال الحسن : الرجال ثلاثة : رجل بنفسه ، ورجل بلسانه ، ورجل بماله . تكلَّم صعصعة بن صوحان عند معاوية فعرق ؛ فقال معاوية : بهرك القول ! فقال صعصعة : إنّ الجياد نضّاحة للماء . ويقال : أبلغ الكلام ما سابق معناه لفظه . وفي كتاب للهند : أوّل البلاغة اجتماع آلة البلاغة ، وذلك أن يكون الخطيب رابط الجأش ( 1 ) ، ساكن الجوارح قليل اللَّحظ متخيّرا للفظ ، لا يكلَّم سيّد الأمة بكلام الأمة ، ولا الملوك بكلام السّوقة ، ويكون في قواه فضل للتّصرّف في كلّ طبقة ، ولا يدقّق المعاني كلّ التدقيق ، ولا ينقّح الألفاظ كلّ التنقيح ولا يصفّيها كلّ التّصفية ولا يهذّبها غاية التهذيب ، ولا يفعل ذلك حتّى يصادف حكيما أو فيلسوفا عليما ويكون قد تعوّد حذف فضول الكلام وإسقاط مشتركات الألفاظ ، قد نظر في صناعة المنطق على جهة الصناعة والمبالغة لا على جهة الاعتراض والتصفّح . ونحو هذا قول جعفر بن يحيى البرمكيّ وقيل له : ما البيان ؟ فقال : أن يكون الاسم يحيط بمعناك ويحكي عن مغزاك ، وتخرجه من الشركة ولا تستعين عليه بالفكرة والذي لا بدّ له منه أن يكون سليما من التكلَّف ، بعيدا من الصّنعة ، بريئا من التعقّد ، غنيّا عن التأويل . قال الأصمعيّ : البليغ من طبّق المفصل وأغناك عن المفسّر .
عيون الأخبار — صفحة 189
مساهمون: ابن قتيبة الدينوري
ص١٨٩
هامش
( 1 ) الجأش : النّفس ، وعبارة : فلان رابط الجأش أي يربط نفسه عن الفرار لشجاعته ، والجمع جؤوش .