القوم : هؤلاء بالبسر ( 1 ) أبصر ، فقال صحار : أجل ، واللَّه إنّا لنعلم أنّ الرّيح تلقحه وأنّ البرد يعقده ( 2 ) وأنّ القمر يصبغه وأنّ الحرّ ينضجه ؛ فقال معاوية : ما تعدّون البلاغة فيكم ؟ قال : الإيجاز ؛ قال : وما الإيجاز ؟ قال : أن تجيب فلا تبطىء ، وتقول فلا تخطىء ، ثم قال : يا أمير المؤمنين ، حسن الإيجاز ألَّا تبطىء ولا تخطىء . أبو الحسن قال : وفد الحسن بن عليّ على معاوية الشام ، فقال عمرو ابن العاص : إنّ الحسن رجل أفه ( 3 ) فلو حملته على المنبر فتكلَّم فسمع الناس من كلامه عابوه ؛ فأمره فصعد المنبر فتكلَّم فأحسن ؛ وكان في كلامه أن قال : أيّها الناس ، لو طلبتم ابنا لنبيّكم ما بين جابرس إلى جابلق ( 4 ) لم تجدوه غيري وغير أخي وإن أدري لعلَّه فتنة لكم ومتاع إلى حين . فساء ذلك عمرا وأراد أن يقطع كلامه ، فقال : يا أبا محمّد ، هل تنعت الرّطب ؟ ( 5 ) فقال : أجل ، تلقحه الشّمال وتخرّجه الجنوب وينضجه برد الليل بحرّ النهار ؛ قال يا أبا محمّد ، هل تنعت الخراءة ( 6 ) ؟ قال : نعم ، تبعد الممشى في الأرض الصّحصح ( 7 ) حتّى تتوارى من القوم ، ولا تستقبل القبلة ولا تستد برها ، ولا تستنجي بالرّوثة ولا العظم ، ولا تبول في الماء الراكد ؛ وأخذ في كلامه .
عيون الأخبار — صفحة 188
مساهمون: ابن قتيبة الدينوري
ص١٨٨
هامش
( 1 ) البسر : التمر قبل إرطابه وذلك إذا لوّن ولم ينضج .
( 2 ) يعقده : يغلظه .
( 3 ) رجل أفه : عيّ ؛ يقال : فهه الرجل يفهه فهاهة : عيّ .
( 4 ) جابرس : مدينة بأقصى المشرق . وجابلق : مدينة بأقصى المغرب .
( 5 ) الرّطب : ج رطبة ، وهي نضيح البسر ، وجمع الجمع أرطاب ورطاب .
( 6 ) الخراءة : التخلي والقعود للحاجة ؛ يقال : خرىء يخرأ : تغوّط وسلح فهو خارىء ، واسم السّلح الخرء ، والعامة تقول : الخرا .
( 7 ) الصّحصح : ما استوى من الأرض مع الإتّساع .