قال بكر بن عبد اللَّه طول الصّمت حبسة ( 1 ) . ونحوه قول عمر بن الخطَّاب : ترك الحركة عقلة . وكان نوفل بن مساحق إذا دخل على امرأته صمت ، وإذا خرج من عندها تكلَّم ؛ فقالت له : أمّا عندي فتطرق ، وأمّا عند الناس فتنطق ! فقال : أدقّ عن جليلك وتجلَّين عن دقيقي . وفي حكمة لقمان : يا بنيّ ، قد ندمت على الكلام ولم أندم على السكوت . قال ابن إسحاق : النّسناس خلق باليمن لأحدهم عين ويد ورجل يقفز بها ، وأهل اليمن يصطادونهم ؛ فخرج قوم في صيدهم فرأوا ثلاثة نفر منهم فأدركوا واحدا فعقروه وذبحوه وتوارى اثنان في الشّجر ، فقال الذي ذبحه ؛ إنه لسمين ، فقال أحد الاثنين : إنه أكل ضروا ( 2 ) ، فأخذوه فذبحوه ، فقال الذي ذبحه : ما أنفع الصمت ! قال الثالث : فهأنا الصّمّيت فأخذوه وذبحوه . كان يقال : إذا فاتك الأدب فالزم الصّمت . وقال بعضهم : لا يجترىء على الكلام إلا فائق أو مائق ( 3 ) . وقال الشاعر يمدح رجلا : [ طويل ]
عيون الأخبار — صفحة 192
مساهمون: ابن قتيبة الدينوري
ص١٩٢
صموت إذا ما الصّمت زيّن أهله * وفتّاق أبكار الكلام المختّم ( 4 )
هامش
( 1 ) الحبسة : تعذّر الكلام عند إراته ، وهي اسم من الإحتباس .
( 2 ) الضرو : الحبة الخضراء أي البطم وهو شجر كالفستق ثمره حبّ مفرطح في عناقيد كالفلفل ويسمى الأخضر منه بالحبة الخضراء ، والواحدة بطمة .
( 3 ) الفائق : الأديب العالم . والمائق : الهالك حمقا وغباوة .
( 4 ) هذا البيت لعبد اللَّه بن المبارك يرثي مالك بن أنس كما في العقد الفريد ( ج 2 ص 221 ) والبيت البذي يليه . وعى ما وعى القرآن من كل حكمة * وسيطت له الآداب باللحم والدم
وسيطت : خلطت . ولقد تقدمت ترجمة ابن المبارك في الحاشية رقم 5 من ص 294 من الجزء الأول من هذا الكتاب .