قال المدائني : كتب قتيبة بن مسلم إلى الحجّاج يشكو قلَّة مرزئته ( 1 ) من الطعام وقلَّة غشيانه النساء وحصره على المنبر ؛ فكتب إليه : استكثر من الألوان لتصيب من كلّ صحفة ( 2 ) شيئا ، واستكثر من الطَّروقة ( 3 ) تجد بذلك قوّة على ما تريد ، وأنزل الناس بمنزلة رجل واحد من أهل بيتك وخاصّتك ، وارم ببصرك أمامك تبلغ حاجتك . قال بعض الشعراء : [ بسيط ]
إن كان في العيّ آفات مقدّرة * ففي البلاغة آفات تساويها
تكلَّم رجل عند معاوية فهذر ( 4 ) ، فلمّا أطال قال : أأسكت يا أمير المؤمنين ؟ قال : وهل تكلَّمت ! . ويقال : أعيا العيّ بلاغة بعيّ ، وأقبح اللَّحن لحن بإعراب . وقال أعرابيّ : الحظَّ للمرء في أذنه ، والحظَّ لغيره في لسانه ( 5 ) . ويقال : ربّ كلمة تقول : دعني . ويقال : الصّمت أبلغ من عيّ ببلاغة . ونحوه قول الشاعر : [ متقارب ]
أرى الصّمت أدنى لبعض الصّواب * وبعض التّكلَّم أدنى لعيّ
وقال جعفر البرمكيّ : إذا كان الإكثار أبلغ كان الإيجاز تقصيرا ، وإذا كان الايجاز كافيا كان الإكثار عيّا .
قال ابن السماك : العرب تقول : العيّ الناطق أعيا من العيّ الصامت .
هامش
( 1 ) المرزئة من الطعام : الإصابة منه .
( 2 ) الصّحفة : قصعة كبيرة منبسطة تشبع الخمسة ، والجمع صحاف .
( 3 ) الطَّروقة : المرأة ؛ ناقة مطروقة الفحل للتي بلغت أن يضربها الفحل وكذلك المرأة .
( 4 ) هذر في كلامه : خلط وتكلم بما لا ينبغي .
( 5 ) يريد أن خط الرجل في أذنه لنفسه لأنه بها يسمع ما يقال ، والخط في لسانه لغيره لأنه إذا تكلم فإنما الخط والفائدة فيه لغيره .