قال : لا ؛ قال : فمن بني هاشم ؟ قال : لا ؛ قال : فمن أكفائهم من العرب ؟ قال : لا ؛ قال : ويلي عليك ! انزع ثيابه يا جلواز ( 1 ) ، فلما أرادوا نزع ثيابه قال : أصلحك اللَّه ، إنّ إزاري مرعبل ( 2 ) ؛ قال : دعوه ، فلو ترك الغريب في وقت لتركه في هذا الوقت . ومرّ أبو علقمة ببعض الطَّرق بالبصرة فهاجت به مرّة ( 3 ) فسقط ووثب عليه قوم فأقبلوا يعصرون إبهامه ويؤذّنون في أذنه ، فأفلت من أيديهم وقال : ما لكم تتكأكؤون ( 4 ) عليّ كما تتكأكؤون على ذي جنّة ! إفرنقعوا ( 5 ) عنّي ؛ فقال رجل منهم : دعوه فإنّ شيطانه هنديّ ، أما تسمعونه يتكلَّم بالهنديّة ؟ وقال لحجّام ( 6 ) يحجمه : أنظر ما آمرك به فاصنعه ، ولا تكن كمن أمر بأمر فضيّعه ، أنق غسل المحاجم واشدد قضب الملازم ( 7 ) وأرهف ظبات المشارط ( 8 ) وأسرع الوضع وعجّل النّزع ، وليكن شرطك وخزا ، ومصّك نهزا ، ولا تكرهنّ آبيا ، ولا تردّن آتيا ؛ فوضع الحجّام محاجمه في جونته ( 9 ) ومضى .
عيون الأخبار — صفحة 179
مساهمون: ابن قتيبة الدينوري
ص١٧٩
هامش
( 1 ) الجلواز : الشّرطيّ .
( 2 ) مرعبل : ممزّق .
( 3 ) المرّة : عصارة المرارة وهي مادة صفراء .
( 4 ) تكأكأ : تجمع .
( 5 ) إفرنقع عني : تفرّق .
( 6 ) الحجام : الذي يحجم ؛ يقال : حجم فلان العظم : عرقه .
( 7 ) الملازم : ج ملزم بكسر الميم وهو خشبتان مشدود أوسطاهما بحديدة تجعل في طرفها قنّاحة ( مفتاح معوجّ طويل ) فتلزم ما فيها لزوما شديدا ، تكون مع الصياقلة والأبّارين ومجلَّدي الكتب وغيرهم .
( 8 ) أرهف : حدّد . وظبات : ج ظبة وهي حدّ السيف أو السّنان ونحوه . والمشارط : ج مشرط وهو المبضع ، وغلب على الذي يشرط به الجلد لاستفراغ الدم كمبضع الحجّام . ومنه قول الحريري في مقامته الحجرية ( سريع ) .
لو كان عندي قوت يوم لما * مسّت يدي المشراط والمحجمة
( 9 ) الجونة : سليلة ( تصغير سلَّة ) مغشّاة بالأدم ( جلد ) تكون مع العطَّار يعدّ فيها الطَّيب . وقد ورد هذا الخبر في العقد الفريد ( ج 2 ص 491 ) مختصرا .