في شبيبته لقاه اللَّه الحكمة في سنّه ، وذلك قوله : * ( ولَمَّا بَلَغَ أَشُدَّه واسْتَوى آتَيْناه حُكْماً وعِلْماً وكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ) * ( 1 ) قال بعض الحكماء من الصحابة : تقول الحكمة : من التمسني فلم يجدني فليفعل بأحسن ما يعلم ، وليترك أقبح ما يعلم ، فإذا فعل ذلك فأنا معه وإن لم يعرفني . وكان يقال : لا يكون الرجل عالما حتّى يكون فيه ثلاث : لا يحقر من دونه في العلم ، ولا يحسد من فوقه ، ولا يأخذ على علمه ثمنا . وقال ابن عيينة : يستحبّ للعالم إذا علَّم ألَّا يعنّف ، وإذا علَّم ألَّا يأنف . وفي كلام لغيلان ، لا تكن كعلماء زمن الهرج ( 2 ) إن علَّموا أنفوا وإن علَّموا عنفوا . وفي حكمة لقمان : إن العالم الحكيم يدعو الناس إلى علمه بالصّمت والوقار ، وإن العالم الأخرق يطرد الناس عن علمه بالهذر والإكثار . قال إبراهيم بن المنصور : سل مسألة الحمقى واحفظ حفظ الأكياس . وأنشد ابن الأعرابيّ : [ كامل ]
عيون الأخبار — صفحة 138
مساهمون: ابن قتيبة الدينوري
ص١٣٨
ما أقرب الأشياء حين يسوقها * قدر وأبعدها إذا لم تقدر
فسل الفقيه تكن فقيها مثله * من يسع في عمل بفقه يمهر
وتدبّر الأمر الذي تعنى به * لا خير في عمل بغير تدبّر
فلقد يجدّ المرء وهو مقصّر * ويخيب جدّ المرء غير مقصّر
ذهب الرجال المقتدى بفعالهم * والمنكرون لكلّ أمر منكر
وبقيت في خلف يزيّن بعضهم * بعضا ليدفع معور ( 3 ) عن معور
هامش
( 1 ) سورة يوسف 12 ، آية 22 . ولقد أضاف المؤلَّف ، والأرجح الناسخ ، كلمة « واستوى » على الآية الكريمة . ومعنى الآية : استكملت خصال يوسف عقلا وجسما ، والمراد بالحكم هنا الحكمة ، وهي وضع الشيء في مكانه المناسب .
( 2 ) الهرج : الفتنة .
( 3 ) المعور : من أعور الشيء إذا بدت عورته .