المقوقس صاحب الإسكندريّة عظيم القبط يدعوه إلى الإسلام ، وكتب معه كتابا « 1 » ؛ فأوصل إليه كتاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، فقرأه وقال له خيرا ؛ وأخذ الكتاب فجعله في حقّ من عاج وختم عليه ودفعه إلى جاريته ؛ وكتب إلى النبىّ صلى اللَّه عليه وسلم : « قد علمت أن نبيّا قد بقي ، وكنت أظن أنه يخرج بالشام ، وقد أكرمت رسولك وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم ، وقد أهديت إليك كسوة وبغلة تركبها » . ولم يزد على هذا ولم يسلم . فقبل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم هديّته ، وأخذ الجاريتين : مارية أمّ إبراهيم ابن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم ، وأختها سيرين ، وبغلة بيضاء لم يكن في العرب يومئذ غيرها وهى « دلدل » . وقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « ضنّ الخبيث بملكه ولا بقاء لملكه » .
وذكر ابن سعد أيضا قال : كانت « دلدل » بغلة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أوّل بغلة رئيت في الإسلام ، أهداها له المقوقس وأهدى معها حمارا يقال له « عفير » ؛ فكانت البغلة قد بقيت حتى كان زمن معاوية . وفى لفظ : وكانت
هامش
« 1 » نص هذا الكتاب : « بسم اللَّه الرحمن الرحيم من محمد عبد اللَّه ورسوله إلى المقوقس عظيم القبط ، سلام على من اتبع الهدى أما بعد فانى أدعوك بدعاية الاسلام أسلم تسلم يؤتك اللَّه أجرك مرتين فان توليت فعليك إثم كل القبط ( يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا اللَّه ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون اللَّه فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ) » . قال المرحوم حفني بك ناصف في كتابه تاريخ الأدب أو حياة اللغة العربية : وقد عثر الباحثون على الكتابين المرسلين إلى المقوقس والمنذر بن ساوى وأخذوا صورتيهما بالتصوير الشمسي وطبعوهما . أما الكتابان أنفسهما فمحفوظان في الآستانة وفينا ، في الأولى كتاب المقوقس وفى الثانية كتاب المنذر . ونسخة كتاب المقوقس محفوظة بدار الآثار النبوية وكان قد عثر عليها عالم فرنسى في دير بمصر قرب إخميم في زمن سعيد باشا والى مصر . وسمع بحديثها السلطان عبد المجيد فاستقدم ذلك العالم وعرضها على العلماء فقرروا أنها هي بعينها كتاب النبي صلى اللَّه عليه وسلم إلى المقوقس ، فاشتراها منه بمال عظيم .