إذا ظهر الجراد ببلاد أحضر إليها ماء من مكان مخصوص فتبعه ذلك الطائر ووقع على الجراد فأتلفه واستخرج بيضه من التراب ونظَّف البلاد منه . قال : فندب ثلاثة نفر من العجم ذوى قوّة في أبدانهم وصبر على مشقّة المشي في أسفارهم ، وأزاح علَّتهم بنفقة وسّعها عليهم ، وساروا على خوزستان ، واستدلَّوا على الضّيعة التي هي من عملها وفيها هذا الماء ، فوصلوا إليها وحملوا من الماء ، ووجدوا هذه العين على وجه الأرض لا تبلغ إلى أن تفيض فتسيح ولا إلى أن تغيض فتستقى .
ومن تدبير هذا الماء إلى أن يتمّ به المراد ان يحمله الماشي ولا يركب ، وإذا نزل بمنزلة علَّقه ولا يضعه على الأرض ؛ وكان الملك الظاهر قد سيّر معهم دوابّ يركبها من لم يحمل الماء بالنّوبة ويمشى من يحمله ؛ ومن عادة من يحمله ألَّا ينفرد بنفسه وألَّا يسير إلَّا في قافلة وأن يعلم أهلها بما معه ويشهدهم أنه ما ركب ظهر دابّة في حال حمله ، وأنه مشى والماء في إنائه في يده ؛ وكلَّما وصلت قافلة إلى بلد أدّى شهود القافلة ما شهدوا به عند الحاكم ؛ ويتنجّز حامل الماء كتبا حكميّة من قضاة البلاد في أمر الماء بصحّة نسبه وكيفيّة حمله . قال : ولم يزالوا على ذلك إلى أن وصلوا إلى حلب ، فعلَّق ذلك الماء ووصل ذلك الطائر في جمع كجمع الجراد وأكثر ، وهو يشبه السّمانى في قدره ولونه ، ووقع على الجراد فأتلفه واستأصله . قيل : إنّه كان يأكل الجرادة واثنتين والثلاث والأربع في دفعة ويرميها في الحال من بطنه ، وإنه يتتبّع مكان بيضه في الأرض فيبحث عنه بمناقيره وأخرجه ، حتى صارت الأرض كالغربال من أثر نقره ، وإنّ الجراد ارتفع من الشأم وكشفت به البلوى .
قال : وأمر هذا الماء مشهور معلوم مستفيض .
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 296
مساهمون: النويري
ص٢٩٦