تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
غير مختلس لشئ من الرزق دون صحبه . ويقال : إنما يفعل ذلك منها رؤساؤها ومن تحيّله في طلب الرزق أنه ربما وضع بينه وبين ما يخاف عليه منه ما يمنعه من الوصول إليه من ماء أو شعر ، فيتسلَّق في الحائط ويمشى على جذع من السّقف حتى يسامت ما حفظ منه ثم يلقى نفسه عليه . وفى طبعه وعادته أن يحتكر في زمن الصيف لزمن الشتاء . وهو إذا خاف على ما يدّخره من الحبوب من العفن والسّوس أو التّندّى من مجاورة بطن الأرض ، أخرجها إلى ظاهر الأرض حتى تيبس ثم يعيدها . وإن خاف على الحبّ أن ينبت من نداوة الأرض نقر في موضع القطمير من وسط الحبّة ( وهو الموضع الذي يبتدئ منه النّبات ) ؛ ويفلق جميع الحبّ أنصافا ؛ فإن كان من حبّ الكزبرة فلقه أرباعا ، لأن أنصاف حبّ الكزبرة تنبت . فالنمل من هذا الوجه في غاية الحزم . فسبحان الملهم لا إله غيره . وليس شئ من الحيوان يقوى على حمل ما يكون ضعف وزنه مرارا غير النملة . والنّمل يشمّ ما ليس له ريح ممّا لو وضعه الإنسان عند أنفه لما وجد له ريحا . ومن أسباب هلاك النملة نبات الأجنحة لها ؛ فإذا صار النمل كذلك صادته العصافير وأكلته . وفى ذلك يقول أبو العتاهية :
وإذا استوت للنّمل أجنحة حتّى يطير فقد دنا عطبه
ومن أصناف النّمل صنف يسمّى « نمل الأسد » ؛ سمّى بذلك لأن مقدّم النملة يشبه وجه الأسد ومؤخّرها كالنّمل . وزعم بعض من تكلَّم في طبائع الحيوان أنه متولَّد ، وأن أباه أكل لحما ، وأمّه أكلت نباتا ، فنتج بينهما على هذه الصفة . وقد وصفه الشعراء ؛ فمن ذلك قول شاعر « 1 » :
غزاة يولَّى الليث عنهنّ هاربا وليست لها نبل حداد ولا عمد
هامش
« 1 » هو إبراهيم بن سناه ، كما في مباهج الفكر .