ويمتصّه . فإن قصر ذنبه عن بلوغ الدّهن عمد إلى النّوى والأحجار الصّغار فيلقيهما فيها ، فيطفو ما فيها فيمتصّه بذنبه ، ولا يزال يتعاهد ذلك حتى ينفد جميع ما فيها .
وهو إذا سرق البيض يعجز عن كسره بسنّه ، فيدحرج البيضة إلى أن تسقط من مكان مرتفع إلى مستفل فتنكسر ؛ فإن عجّزه ذلك استعان بفأر آخر فيعتنقها أحدهما بيديه ورجليه وينقلب على قفاه ؛ ويقبض الآخر على ذنبه ويتسلَّق به في حائط ؛ فإذا ارتفع به عن الأرض ألقاها الحامل لها فتنكسر فيأكلانها جميعا .
أخبرني بذلك من شاهده . والمثل يضرب به في الفساد والسّرقة والنسيان والحذر .
وفى طبع الجرذ البرّىّ وعادته أنه لا يحفر بيته على قارعة الطريق خوفا من الحافر « 1 » [ أن يهدم عليه « 2 » بيته ] . ويقال : إنه يخلق من الطَّين ، وإنه يتولَّد بأرض مصر إذا نضب ماء النيل عنها « 3 » . وقال صاحب كتاب مباهج الفكر : إنه رأى ذلك عيانا « 4 » في سفط « 5 » ميدوم من جيزة مصر .
وقال الجاحظ : لعمري إن جرذان أنطاكية لتساجل السّنانير في الحرب ، ولا تقوم لها ولا تقوى عليها إلا الواحد بعد الواحد . قال : وهى بخراسان قويّة جدّا ، وربما قطعت أذن النائم . قال : ومن الفأر ما إذا عضّ قتل . قال : ومن الأعاجيب
هامش
« 1 » الحافر من الفرس والبغل والحمار : كالقدم من الإنسان .
« 2 » الزيادة عن مباهج الفكر .
« 3 » هذه العبارة نقلها المؤلف عن مباهج الفكر ، وهى عبارة الجاحظ في الحيوان ونصها : « وقد أنكرنا أن تكون الفأر تخلق إلا في أرحام إناثها من أصلاب ذكورها ومن أرحام بعض الأرضين كطينة القاطول فان أهلها يزعمون أنهم رأوا الفأرة لم يتم خلقها بعد وإن عينيها لتباصّان ثم لا يريمون حتى يتم خلقها وتشتدّ حركتها » .
« 4 » يلاحظ أنا لم نجد في مباهج الفكر في كلامه عن الفأر شيئا من ذلك .
« 5 » سفط ميدوم : قرية من مديرية بنى سويف بقسم الزاوية ( وهى الآن إحدى قرى مركز الواسطة ) واقعة غربى النيل بالقرب من الجبل الغربى وفى الجنوب الغربى لناحية الرقة بنحو ألفين وستمائة متر . وأكثر مبانيها بالآجر وبها جامع ، وهى على تلول قديمة . وفى غربيها على بعد سبعمائة متر بالجبل الغربى هرم عظيم يضاف إلى اسمها . ( راجع الخطط التوفيقية ج 12 ص 39 ) .