ومن أعجب ما شاهدته أنا من الأفاعي أنها قطَّعت بحضوري بالبيمارستان « 1 » المنصوري بالقاهرة المعزّيّة في شهور سنة ستّ وسبعمائة بسبب عمل الدّرياق الفاروق « 2 » ؛ وقطع من رأسها وذنبها ما جرت العادة بقطعه ، وسلخت وشقّ بطنها ونظَّفت وهى تختلج ، ثم سلقت وجرّد لحمها عن العظم ، فنظرت إليه فإذا هو يختلج ؛ فعجبت لذلك ؛ وذكرته لرئيس الأطبّاء علم الدّين « 3 » المعروف بابن أبى حليقة وهو حاضر في المجلس ، فقال : ليس هذا بأعجب مما تراه الان ، وقال لي : استدع أقراص الأفاعي التي عملت من أكثر من سنة ؛ فاستدعيتها ، فأحضرها الخازن وهى في العسل وقد دقّ لحم الأفاعي بعد سلقه وعجن بالسّميذ وجعل أقراصا ووضع في العسل من أكثر من سنة ؛ فقال لي : تأمّل الأقراص ؛ فتأملتها فإذا هي تضطرب اضطرابا خفيفا « 4 » .
وقال الجاحظ : وزعم صاحب المنطق أنّ الحيّات تنسلخ عن جلودها في كل عام في أوّل فصل الربيع أو الخريف ؛ وتبتدئ بالسّلخ من عيونها ويتمّ سلخها في يوم وليلة ، ويصير داخل الجلد هو الخارج . وإذا هرمت وعجزت عن السلخ
هامش
« 1 » هو بيمارستان الملك المنصور قلاوون الألفى الصالحي ، وبعضه باق إلى الآن ويعرف بمستشفى قلاوون ، وهو تابع لوزارة الأوقاف المصرية . ( راجع ما كتبه عنه المقريزي بتفصيل واف في خططه ج 2 ص 406 وعلى باشا مبارك في خططه ج 5 ص 99 - 101 ) .
« 2 » الدرياق الفاروق أحدّ الدراييق وأجل المركبات ، لأنه يفرق بين المرض والصحة .
« 3 » هو علم الدين إبراهيم بن الرشيد بن أبي الوحش المعروف بابن أبى حليقة رئيس الأطباء بالديار المصرية والبلاد الشامية ، كان بارعا في الطب محظوظا عند الملوك والأمراء ، ونالته السعادة من ذلك حتى إنه لما مات خلف ثلاثمائة ألف دينار غير القماش والأثاث . وهو أوّل حكيم ركب بدمشق شراب الورد الطري ولم يكن يعرف بدمشق قبل ذلك . رحمه اللَّه . توفى بمصر سنة 708 ه . ( راجع عيون التواريخ لابن شاكر والسلوك للمقريزي وعقد الجمان للعيني والنجوم الزاهرة لابن تغرى بردى فيمن توفى سنة 708 ه ) .
« 4 » كذا في ب . وفى ا : « خفيا » .