وتقاصرت قامته ؛ وعاد نحيفا ضئيلا ، باليا هزيلا ؛ بادي السّقام ، عارى العظام ؛ جامعا للمعايب ، مشتملا على المثالب ؛ يعجب العاقل من حلول الروح فيه ؛ لأنه عظم مجلَّد ، وصوف ملبّد ؛ لا تجد فوق عظامه سلبا « 1 » ، ولا تلقى اليد منه إلا خشبا ؛ لو ألقى للسّبع لأباه ، أو طرح للذئب لعافه وقلاه ؛ وقد طال للكلأ فقده ، وبعد بالمرعى عهده ؛ لم ير القتّ « 2 » إلَّا نائما ، ولا الشعير إلا حالما . وقد خيّرتنى بين أن أقتنيه فيكون فيه غنى الدهر ، أو أذبحه فيكون فيه خصب الشّهر ؛ فملت إلى استبقائه ؛ لما تعلمه من محبّتى في التوفير ، ورغبتي في التّثمير ؛ وجمعى للولد ، وادّخارى لغد ؛ فلم أجد فيه مستمتعا للبقاء ، ولا مدفعا للفناء ؛ لأنه ليس بأنثى فيحمل ، ولا بفتىّ فينسل ، ولا بصحيح فيرعى « 3 » ، ولا بسليم فيبقى ؛ فملت إلى الثاني من رأييك ، وعملت بالآخر من قوليك ؛ وقلت : أذبحه فيكون وظيفة للعيال ، وأقيمة رطبا مقام قديد الغزال ؛ فأنشدني وقد أضرمت النار ، وحدّدت الشّفار ، وشمّر الجزّار :
أعيذها نظرات منك صادقة
أن تحسب الشّحم فيمن شحمه ورم
وما الفائدة لك في ذبحى ! وإنما أنا كما قيل :
لم يبق إلَّا نفس خافت
ومقلة إنسانها باهت
ليس لي لحم يصلح « 4 » للأكل ، فإنّ الدهر أكل لحمي ؛ ولا جلد يصلح للدّبغ ، فإن الأيام مزّقت أديمى ؛ ولا صوف يصلح للغزل ، فإن الحوادث حصّت « 5 » وبرى .
هامش
« 1 » كذا في مباهج الفكر . وفى ا : « لا يوجد فيها فوق عظامه سلبا » . وفى ب : « لا يوجد فوق عظامه تسلبا » ، وكلاهما تحريف . والسلب : ما على الرجل من اللباس . يربد به هنا اللحم لأنه يكسو العظم ويستره كما يستر اللباس الرجل .
« 2 » القت : نبات رطب تعلفه الدواب .
« 3 » في الأصلين : « يرعى يبقى » . من غير فاء .
« 4 » في الأصلين : « فيصلح » بالفاء .
« 5 » حصت وبرى : حلقته وأذهبته .