ذكر ما قيل في الجاموس
قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ :
والجواميس هي ضأن البقر . والجاموس أجزع الحيوان من البعوض وأشدّها هربا منه إلى الماء ؛ وهو يمشى إلى الأسد رخىّ البال ، رابط الجأش ، ثابت الجنان .
وقد حكى عن المعتصم باللَّه العباسىّ أنه أبرز للأسد جاموستين فغلبتاه ، ثم أبرز له جاموسة ومعها ولدها فغلبته وحمت ولدها ، ثم أبرز له جاموسا مفردا فواثبه ثم أدبر عنه . هذا على ما في الأسد من القوّة في فمه وكفّه والجرأة العظيمة والوثبة وشدّة البطش والصبر والحضر والطَّلب والهرب ؛ وليس ذلك في الجاموس ، ولا يستطيل بغير قرنه ، وليس في قرنه حدّة قرن بقر الوحش ؛ فإذا قوى الجاموس مع ذلك حتى يقاوم الأسد دلّ على قوّة عظيمة . ولذلك قدّم الجاحظ الجاموس على الأسد ، وعلَّل تقديمه عليه بهذه العلَّة . وليس ما حكى عن المعتصم في أمر الجاموس وغلبته للأسد بعجيب ؛ فإنّ الجواميس بالأغوار تقاتل الأسد وتمانعه وتدفعه فلا يقدر على قهرها .
وأصحاب الجواميس هناك منهم من يغلَّف قرونها بالنّحاس ويحدّدون أطرافه ، يقصدون « 1 » بذلك إعانته على حرب الأسد وقتاله .
والجاموس عندنا بالديار المصرية يقاتل التّمساح الذي هو أسد البحر ويتمكَّن منه ويقهره في الماء ؛ فهو قد جمع بين قتال أسد البرّ وأسد البحر . وله قدرة عظيمة على طول المكث في قعر البحر . والتماسيح لا تكاد تأوى موارد الجواميس من بحر النيل وتتجنّب أماكنها .
هامش
« 1 » في الأصلين : « ويقصدون » بالواو .