ولما تصدّوا له من كتم أسرار الدّول ، وتردّوا به من محاسن الأواخر ومآثر الأول ، والتحفوا به من مطارف الفضائل والمكارم ، وتحلَّوا به من صفات الأفاضل والأكارم ؛ إلى غير ذلك من مناقبهم الجمّه ، وأياديهم التي وضحت غررا في ليالي الخطوب المدلهمّه ؛ فكتّاب الحساب أكثر تحقيقا ، وأقرب إلى ضبط الأموال طريقا ، وأدلّ برهانا ، وأوضح بيانا ، قال اللَّه تعالى في كتابه العزيز : * ( لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والْحِسابَ وكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناه تَفْصِيلًا ) * وذهب بعض المفسرين لكتاب اللَّه تعالى في قوله تعالى إخبارا عن يوسف عليه السلام : * ( قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ) * ، أي كاتب حاسب .
وروى البخارىّ عن أبي حميد الساعدىّ قال : « استعمل رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم رجلا من الأسد « 1 » على صدقات بنى سليم يدعى ابن اللَّتبيّة « 2 » فلمّا جاء حاسبه » فقد صحّ أنّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم حاسب ؛ وبكتّاب الحساب تحفظ الأموال وتضبط الغلال ؛ وتحدّ قوانين البلاد ؛ وتميّز الطوارف من التّلاد ؛ لم يفخر كتّاب الإنشاء بمنقبة إلا فخروا بمناقب ، ولا سموا إلى مرتبة إلَّا وقد رقوا إلى مراتب ؛ ولا تميّزوا برسالة « 3 » إلَّا ولهؤلاء فيها القدح المعلَّى ، ولا نسبوا إلى نباهة إلَّا ومحلَّهم فيها
هامش
« 1 » كذا في الأصل بالسين ، وهو أفصح ؛ ويقال فيه : « الأزد » بالزاي ، وهو أبو حي من اليمن ، ومن أولاده الأنصار كلهم .
« 2 » هذه الكلمة في الأصل مهملة الحروف من النقط ؛ وقد أثبتناها هكذا نقلا عن صحيح البخاري ج 1 ص 382 طبع ليدن واللتبية : أمّه ، نسبة إلى بنى لتب بالضم ، وهم حي من الأزد ؛ ومنهم من يفتح اللام والتاء المثناة ؛ وفى بعض الروايات : « الألتبية » بالهمز ؛ وفى رواية أخرى بضم ففتح ؛ واسم ابن اللتبية هذا : عبد اللَّه انظر شرح القاموس مادة ( لتب ) .
« 3 » كذا وردت هذه الكلمة في الأصل ، ولعل فيها تحريفا فإن رسائل المنشئين ليس لكتاب التصرف فيها القدح المعلى كما قال إلا إذا كانوا منشئين أيضا ؛ ولعل صوابه « بنبالة » ويرجحه حصول الجناس بها مع قوله في الجملة الآتية « نباهة » والمؤلف يميل إلى هذا النوع في كتابته ؛ وقد سبق أن جمع بين الكلمتين في صفحة 191 س 19 .