لعلّ عتبك محمود عواقبه
فربّما صحّت الأجساد بالعلل
وقال أرسطوطاليس : الظلم من طبع النفوس ، وإنما يصدّها عن ذلك إحدى علَّتين : إمّا علَّة دينيّة خوف معاد ، أو علَّة سياسيّة خوف سيف قال المتنبّى :
والظلم من شيم النفوس فإن تجد
ذا عفّة فلعلَّة لا يظلم
هذا ما اتفق إيراده في هذا الباب من أمر كتابة الإنشاء ، وكلام الصحابة والخلفاء ، وذوى الفصاحة من الأمراء ، وبلاغات الخطباء والفصحاء ، ورسائل الفضلاء والبلغاء ، وفقر الكتّاب والأدباء ، وحكم أوائل الحكماء ؛ وهو ممّا يضطرّ الكاتب إليه ، ويعتمد في الاطلاع على ما خفى من أمر هذه الصناعة عليه ؛ وهى إشارات إلى مجموعها ، ورشفات من ينبوعها ؛ وباب يتوصّل منه إلى رحابها ، وسلَّم يرتقى عليه إلى هضابها ، ومسيل عذب يتّصل بعبابها ؛ فقد وضح لك أيّها الطالب السبيل ، وظهر لك أيّها الراغب قيام الدليل ؛ وفيما أوردناه كفاية لمن تمسّك بهذه الصناعة ورغب فيها ، وغنية لمن تأمّل مقاصدها وتدبّر معانيها ؛ فلنذكر كتابة الديوان والتصرّف .
ذكر كتابة الديوان وقلم التصرف وما يتصل بذلك
قد ذكرنا في أوّل هذا الباب في السفر السابع من هذا الكتاب اشتقاق الكتابة ، ولم سمّيت بذلك ، وذكرنا أيضا أصلها وشرفها وفوائدها ، فلا حاجة إلى إعادته في هذا الموضع ، فلنذكر الآن ما يتعلَّق بقلم الديوان والتصرّف والحساب ؛ وإن كنا قدّمنا ذكر كتّاب الإنشاء لما هم بصدده من الصدارة والوجاهه ، والنبالة والنباهه ؛ والفصاحة والصباحة ، والنزاهة والسماحة ؛ والأمانة والديانة ، والسيادة والصيانة ؛