سيفه كلّ مجترى ، وقال للسحابة كما قيل : امطرى « 1 » ؛ رأى « 2 » أن الموارد الدنيويّة لا بدّ لها من مصادر ، وأن أوائل الأمور تستدعى الأواخر ، وأن للزهادة في الدنيا وإن عظم قدرها الشأن الكبير ، وأن الانقطاع إلى اللَّه تعالى منهل صفو لا يقبل شوائب التكدير ؛ وقوى عزمه في الرّحلة عن مقرّ ملكه إلى أعزّ حصونه المنيعه ، بل إلى أجلّ معاقله الشامخة الرفيعة ؛ قاصدا بها الانفراد ، عالما بأن اللَّه يطلع على خفيّات الفؤاد ؛ فرحل ركابه العالي ونظام المملكة من حسن الهيئة قائم على ساق ، وقلوب كفّال الممالك الشريفة متّفقة على الاتفاق ؛ واثقا بأن للملك من أولياء بيته الشريف كلّ ولىّ عهد لا تخفر لديه الذمم ، وكلّ سلطان أفق « 3 » تضؤل دون عزمه الهمم ؛ يحمى بيضة خدره من كلّ متطاول إليها ، ويقصّر أسباب الحرص من كلّ شأن « 4 » عليها ؛ واختار الانفراد ، وتيقّن أنّا لا نعدل عمّا أراد ؛ ونصب عمد خيامه الشريفة على سفح روض الكرك النّضر ، وحلّ منه رأس شاهقة نبتها خضر ؛ ورغب في الزهادة وشعارها ، واستوت « 5 » عنده الدنيا في حالتي إقبالها وإدبارها ؛ فاقتضى اعتناؤنا الشريف أن نبلَّغه من مآربه الشريفة أقصى المرام ، وأن نساعده في كلّ أمر يعرف منه الموافقة منّا على الدوام ؛ وأن ننظم الأمر في سلك الإرادة على مراده ، وأن نبادر إلى راحة سرّه الشريف وفؤاده ؛ ولسوف نعامل مقامه العالي بكلّ احترام يصل
هامش
« 1 » يشير بهذه العبارة إلى ما روى عن بعض الخلفاء أنه رأى سحابة تسير في الأفق ملأى بالمطر فقال : امطرى حيث شئت فإن ما تنبتينه سيجبى الينا يريد بهذا أن مملكته واسعة الأطراف فلن تجاوزها السحابة مهما أبعدت في المسير .
« 2 » رأى : جواب للما السابقة في قوله : « لما كان المقام العالي » الخ .
« 3 » المراد بالأفق هنا : الناحية من الأرض ، وتضم فاؤه وتسكن .
« 4 » الشان بتشديد النون : اسم فاعل من شن الغارة على القوم إذا صبها عليهم من كل وجه .
« 5 » في الأصل : « واستهوت » ؛ والهاء زيادة من الناسخ .