وتمرين قاسيه ؛ فشكرنا اللَّه على ما أعطى وحمدناه على ما أخذ ، وما قلنا : هذا جزع قد انتبه إلا وقلنا : هذا تثبّت قد انتبذ « 1 » ، ولا توهمنا أن فلذة كبد قد اختطفت إلَّا وشاهدنا حولنا من ذرّيّتنا - والحمد للَّه - فلذ ؛ وأحسنّا الاحتساب ، ودخلت الملائكة علينا من كلّ باب ، ووفّانا اللَّه أجر الصابرين بغير حساب ؛ ولنا - والشكر للَّه - صبر جميل لا نأسف معه على فائت ولا نأسى على مفقود ، وإذا علم اللَّه حسن الاستنامة إلى قضائه والاستكانة إلى عطائه عوّض كلّ يوم ما يقول المبشّر به :
هذا مولى مولود ؛ وليست الإبل بأغلظ أكبادا ممن له قلب لا يبالي بالصدمات كثرت أو قلَّت ، ولا بالتباريح حقرت أو جلَّت ، ولا بالأزمات إن هي توالت أو تولَّت ، ولا بالجفون إن ألقت ما فيها من الدّموع والهجوع وتخلَّت ؛ ويخاف من الدهر من لم يحلب أشطره ، ويأسف على الفائت من لا تنتابه الخطوب الخطرة ؛ على أن الفادح بموت الولد الملك الصالح - رضى اللَّه عنه - وإن كان منكيا « 2 » والنائج بشجوه وإن كان مبكيا ، والنائج « 3 » بذلك الأسف وإن كان لنار الأسى مذكيا ؛ فإن وراء ذلك من تثبيت اللَّه ما ينسفه نسفا ، ومن إلهامه الصبر ما يجدّد لتمزيق القلوب أحسن ما به يرفا ؛ وبكتاب اللَّه وبسنة نبيّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم عندنا حسن اقتداء نضرب به عن كلّ رثاء صفحا ، وما كنّا مع اللَّه - والمنّة للَّه - نعطى لمن يؤنّب ويؤبّن « 4 » أذنا ولا نعيرها لمن يلحى ؛ إذ الولد الذاهب مرّ في رضوان اللَّه تعالى سالكا
هامش
« 1 » انتبذ : أي ترك الحزن والجزع ؛ من النبذ وهو الطرح والرمي .
« 2 » كذا في كلا الأصلين ؛ ولم نجد فيما لدينا من كتب اللغة أنه يقال : « أنكأه » من « نكأ » المهموز ولا « أنكاه » من « نكى » المعتل اللام ؛ والظاهر أن الكاتب أراد المجانسة بين قوله : « منكيا » وقوله بعده : « مبكيا » . ونكأ الجرح بالهمز : أي قرفه وقشره . وهو هنا على الاستعارة .
« 3 » النائج بالجيم : الصائح ؛ يقال : نأج ينأج : إذا صاح .
« 4 » أبنه : أثنى عليه بعد موته .