تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 324

مساهمون:

ص٣٢٤
من الطَّفل لهجومه على الناس كهجوم الليل على النهار ، فيكون من الظلمة ، ولذلك قيل : « أطفل من ليل على نهار » ، وأوّل من سمى بهذا الاسم : طفيل العرائس ، وإليه ينسب الطَّفيليّون ، وكان يقول لأصحابه : إذا دخل أحدكم عرسا ، فلا يلتفت تلفّت المريب ، ويتخيّر المجالس ، وإن كان العرس كثير الزحام ، فليمض ولا ينظر في عيون الناس ، ليظنّ أهل المرأة أنه من أهل الرجل ، ويظنّ أهل الرجل أنه من أهل المرأة ، وإن كان البوّاب غليظا فاحشا ، فليبدأ به ، ويأمره وينهاه من غير أن يعنّف عليه ، ولكن بين النصيحة والإدلال . وأشهر من نسب إليه هذا الاسم ، وكثرت عنه الحكايات ، بنان الطَّفيلىّ ، وهو عبد اللَّه بن عثمان ، ويكنى أبا الحسن ، ولقبه بنان ، وأصله مروزىّ وأقام ببغداد ، وكان نقش خاتمه ، « مالكم لا تأكلون » . حكى أن رجلا سأله أن يدعو له ، فقال : اللهم ارزقه صحة الجسم وكثرة الأكل ، ودوام الشهوة ، ونقاء المعدة ، وأمتعه بضرس طحون ، ومعدة هضوم ، مع السعة والدّعة ، والأمن والعافية ؛ وقال يوصى بعض أصحابه : إذا قعدت على مائدة وكان موضعك ضيّقا فقل للذي يليك : لعلى ضيقت عليك فإنه يتأخر إلى خلف ، ويقول : موضعي واسع ، فيتسع عليك موضع رجل ؛ وقال له طفيلىّ : أوصني ، فقال : لا تصادفنّ من الطعام شيئا ، فترفع يدك عنه وتقول : لعلَّى أصادف ما هو أطيب منه ، فإن هذا عجز ووهن ، قال : زدني ، قال : إذا وجدت خبزا فيه قلَّة ، فكل الحروف ، فإن كان كثيرا فكل الأوساط ، قال : زدني ، قال : لا تكثر شرب الماء وأنت تأكل ، فإنه يصدّك عن الأكل ، ويمنعك من أن تستوفى ، قال : زدني ، قال : إذا وجدت الطعام ، فكل منه أكل من لم يره قط ، وتزوّد منه زاد من لا يراه أبدا ، قال : زدني ، قال : إذا وجدت الطعام ، فاجعله زادك إلى اللَّه تعالى ،