وحاذرت أعين الواشين فانصرفت
تعضّ من خوفها العنّاب بالبرد .
وكان أوّل عهد العين يوم نأت
بالدّمع آخر عهد القلب بالجلد .
وقال الهيثم الكلاعىّ ، من شعراء « اليتيمة » :
ولم أنسها يوم الوداع ، ومسحها
بوادر دمع العين . والعين تذرف .
أفانين تجرى من دموع ومن دم
على الخدّ منها تستهلّ وترعف .
وتكرارنا نجوى الهوى ذات بيننا ،
وكلّ إلى كلّ يلين ويعطف .
جعلنا هناك الهجر منّا بجانب ،
وللبين داع بالتّرحّل يهتف .
ولولا النوى ، لم نشك ضعفا عن الأسى !
ومن يحمل الأشجان بالبين يضعف !
فقلت : كلانا مثقل من صبابة ؛
ولكنّنى عن حملها منك أضعف .
وقال الظاهر البصرىّ :
نفسي الفداء لمن جاءت تودّعنى
يوم الفراق بقلب خائف وجل !
قد كنت فارقت روحي يوم فرقتها ؛
لكن حييت بطيب الضّمّ والقبل !
وقال يزيد بن معاوية :
جاءت بوجه كأنّ البدر برقعه
حسنا على مثل غصن البانة الثّمل .
إحدى يديها تعاطينى معتّقة
كخدّها عصفرته حمرة الخجل .
ثمّ استبدّت وقالت وهى عالمة ،
بما تقول وشمس الكأس لم تفل :
لا ترحلنّ ، فما أبقيت لي جلدا
مما أطيق به توديع مرتحل !
ولا من الصبر ما ألقى الفراق به
ولا من الدّمع ما أبكى على طلل !
ومن الناس من كره الوداع . وفي ذلك يقول البحترىّ :
اللَّه جارك في انطلاقك
تلقاء شامك أو عراقك !