تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
قبل الأجسام ، فمال الجنس إلى الجنس . فلما افترقت في الأجساد ، بقي في كل نفس حب ما كان مقارنا لها . فإذا شاهدت النفس من نفس نوع موافقة ، مالت إليها ظانّة أنها هي التي كانت قرينتها . فإن كان التشاكل في المعاني كانت صداقة ومودّة ، وإن كان في معنى يتعلق بالصورة ، كان عشقا . وإنما يوجد الملل والإعراض من بعض الناس لأن التجربة أبانت ارتفاع المجانسة والمناسبة . وأنشدوا على ذلك :
وقائل : كيف تهاجرتما ؟ فقلت قولا فيه إنصاف : لم يك من شكلى ففارقته ، والناس أشكال وألَّاف .
قال أبو الفرج بن الجوزىّ : فإن قيل إذا كان سبب العشق نوع موافقة بين شخصين في الطباع ، فكيف يحب أحدهما صاحبه والآخر لا يحبه ؟ فالجواب أنه يتفق في طبع المعشوق ما يوافق طبع العاشق ، ولا يتفق في طبع العاشق ما يلائم طبع المعشوق . فإذا كان سبب العشق اتفاقا في الطباع بطل قول من قال : إن العشق لا يكون إلا للأشياء المستحسنة . إنما يكون العشق لنوع مناسبة وملاءمة ، ثم قد يكون الشئ حسنا عند شخص غير حسن عند آخر . وحكى على ذلك حكاية رفعها بالسند إلى علىّ بن الحسين القرشىّ ، عن رجل من أهل المدينة كان أديبا ظريفا طلَّابا للأدب والملح ، قال : كنت يوما في مجلس رجل من قريش ومعنا قينة ظريفة حسنة الصورة ، ومعنا فتى من أقبح ما رأته العين ، والقينة مقبلة عليه بحديثها وغنائها . فبينا نحن كذلك إذ دخل علينا فتى من أحسن الناس وجها ، وأثراهم ثوبا ، وأطيبهم ريحا ، فأقبل علىّ صاحب البيت ، فقال : إن في أمر هذين لعجبا ! قلت : وما ذاك ؟ قال : هذه الجارية تحب هذا ( يعنى القبيح الوجه ) وليس لها في قلبه محبة ، وهذا