تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
فقالوا : العشق يولَّد الأخلاق الحميدة ! وقالوا : لو لم يكن في الهوى إلا أنه يشجّع الجبان ، ويصفّى الأذهان ، ويبعث حزم العاجز ، لكفاه شرفا ! وقال أعرابىّ : من لم يحبّ قط فهو ردئ التركيب جافى الطبع كزّ المعاطف . وقد روى أن الشعبىّ كان ينشد :
إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى ، فأنت وعير في الفلاة سواء !
وسمع ابن أبي مليكة غناء وهو يؤذّن ، فطرب . فقيل له في ذلك ، فقال :
إذا أنت لم تطرب ولم تدر ما الهوى فكن حجرا من يابس الصّخر جلمدا .
وسئل أبو نوفل : هل يسلم أحد من العشق ؟ فقال : نعم الجلف الجافي الذي ليس فيه فضل ولا عنده فهم . فأما من في طبعه أدنى ظرف أو معه دماثة أهل الحجاز ورقّة أهل العراق ، فهيهات ! وحكى أبو الفرج بن الجوزىّ بسند يرفعه إلى اليمان بن عمرو مولى ذي الرياستين ، قال : كان ذو الرياستين يبعثني ويبعث أحداثا من أهله إلى شيخ عالم بخراسان ، له أدب وحسن معرفة بالأمور ، ويقول لنا : تعلَّموا منه الحكمة ، فإنه حكيم ! ، وكنا نأتيه . فإذا انصرفنا من عنده ، سألنا ذو الرياستين واعترض ما حفظناه فنخبره به . فقصدناه ذات يوم ، فقال : أنتم أدباء ، وقد سمعتم الحكمة ولكم جدات ونعم ، فهل فيكم عاشق ؟ فقلنا : لا . فقال : اعشقوا ، فإن العشق يطلق اللسان العيىّ ، ويفتح جبلَّة البليد ، ويبعث على التنظيف وتحسين اللباس وتطييب المطعم ، ويدعو إلى الحركة والذّكاء ، ويشرّف الهمة ! وإياكم والحرام ! فانصرفنا من عنده إلى ذي الرياستين ، فسألنا عما أخذنا في يومنا ذلك فهبناه أن نخبره . فعزم علينا فأخبرناه ، فقال : صدق واللَّه ! فهل
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 139 | النويري