تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
بد ، وهكذا إذا تنفس كل واحد منهما في وجه صاحبه ، فإنه يخرج مع ذلك النفس شئ من نسيم كل واحد منهما فيختلط بأجزاء الهواء ، فإذا استنشق من ذلك الهواء دخل في الخياشيم ، فوصل بعضه إلى الدماغ فسرى فيه كسريان النّور في جرم البلَّور ، ووصل بعضه إلى جرم الرئة ، ثم إلى القلب فيدبّ في العروق الضوارب في جميع البدن فينعقد في بدن هذا ما تحلل من بدن هذا فيصير مزاجا ، فيتولد به العشق وينمى . هذا ما قيل في سبب العشق واللَّه أعلم .

وأما ما قيل في مدحه وذمّه والممدوح منه والمذموم

، قال ابن الجوزىّ في كتابه المترجم ب « ذمّ الهوى » : اختلف الناس في العشق ، هل هو ممدوح أو مذموم . فقال قوم : هو ممدوح ، لأنه لا يكون إلا من لطافة الطبع ، ولا يقع عند جامد الطبع . ومن لم يجد منه شيئا فذلك من غلظ الطبيعة . فهو يجلو العقول ، ويصفّى الأذهان ، ما لم يفرط . فإن أفرط عاد سمّا قاتلا . وقال آخرون : هو مذموم ، لأنه يستأسر العاشق ويجعله في مقام المستعبد . قال : قلت : وفصل الحكم في هذا الفصل أن نقول : أما المحبة والودّ والميل إلى الأشياء المستحسنة والملائمة فلا يذم ، وأما العشق الذي يزيد على حدّ الميل والمحبة فيملك العقل ويصرّف صاحبه على غير مقتضى الحكمة فذلك مذموم . ويتحاشى من مثله الحكماء . هذا ما قيل في مدحه وذمّه مجملا . واللَّه تعالى أعلم .

فأما الممدوح منه

، وهو الذي قدّمنا ذكره ، فقد وقع فيه جماعة من الخلفاء والأكابر فلم يعب عليهم ولا نقصهم . وقد تكلموا في مدحه وتفضيله بما سنذكر منه إن شاء اللَّه تعالى طرفا .