قال : وكان يصلي كل يوم وليلة ثلاث مئة ركعة ، ويقوم الليل ،
ويحمل ما أمكنه إلى بيوت الأرامل واليتامى سرا ، وضعف بصره من كثرة
البكاء والمطالعة ، وكان أوحد زمانه في علم الحديث .
وقال أيضا : وفي ذي القعدة سنة ست وتسعين وخمس مئة كان ما
اشتهر من أمر الحافظ عبد الغني وإصراره على ما ظهر من اعتقاده وإجماع
الفقهاء على الفتيا بتكفيره ، وأنه مبتدع لا يجوز أن يترك بين المسلمين ،
فسأل أن يمهل ثلاثة أيام لينفصل عن البلد فأجيب .
قلت : قد بلوت على أبي المظفر المجازفة وقلة الورع فيما يؤرخه
والله الموعد ، وكان يترفض ، رأيت له مصنفا في ذلك فيه دواه ( 1 ) ، ولو
أجمعت الفقهاء على تكفيره كما زعم لما وسعهم إبقاؤه حيا ، فقد كان على
مقالته بدمشق أخوه الشيخ العماد والشيخ موفق الدين ، وأخوه القدوة الشيخ
أبو عمر ، والعلامة شمس الدين البخاري ، وسائر الحنابلة ، وعدة من أهل
الأثر ، وكان بالبلد أيضا خلق من العلماء لا يكفرونه ، نعم ، ولا يصرحون
بما أطلقه من العبارة لما ضايقوه ، ولو كف عن تلك العبارات ، وقال بما
وردت به النصوص لأجاد ولسلم ، فهو الأولى ، فما في توسيع العبارات
الموهمة خير ، وأسوأ شئ قاله أنه ضلل العلماء الحاضرين ، وأنه على
الحق ، فقال كلمة فيها شر وفساد وإثارة للبلاء ، رحم الله الجميع وغفر لهم ،
فما قصدهم إلا تعظيم الباري عز وجل من الطرفين ، ولكن الأكمل في
التعظيم والتنزيه الوقوف مع ألفاظ الكتاب والسنة ، وهذا هو مذهب السلف
رضي الله عنهم .
هامش
( 1 ) قد تكلم الذهبي في سبط ابن الجوزي وكرر ذلك في غير ما موضع من كتبه ولا سيما
( تاريخ الاسلام ) وانظر ترجمته في ( السير ) و ( تاريخ الاسلام ) .