تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الأزهار — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
قال : " ثم خذ من أول الأمر ، فإنه سبحانه لما قال ( إني جاعل في الأرض خليفة ) فلما قالت الملائكة ( أتجعل فيها من يفسد فيها ) قال سبحانه ( إني أعلم ما لا تعلمون ) فأجابهم سبحانه بكونه عالما ، فلم يجعل سائر صفات الجلال من القدرة والإرادة والسمع والبصر والوجوب والقدم والاستغناء عن المكان والجهة جوابا لهم وموجبا لسكوتهم ، وإنما جعل صفة العلم جوابا لهم ، وذلك يدل على أن صفات الجلال والكمال وإن كانت بأسرها في نهاية الشرف إلا أن صفة العلم أشرف من غيرها . ثم إنه سبحانه إنما أظهر فضل آدم عليه السلام بالعم ، وذلك يدل أيضا على أن العلم أشرف من غيره . ثم إنه سبحانه لما أظهر علمه جعله مسجود الملائكة وخليفة العالم السفلي ، وذلك يدل على أن تلك المنقبة إنما استحقها آدم عليه السلام بالعلم . ثم إن الملائكة افتخرت بالتسبيح والتقديس ، والافتخار بهما إنما يحصل لو كانا مقرونين بالعلم ، فإنهما إن حصلا بدون العلم كان ذلك نفاقا ، والنفاق أخس المراتب ، قال تعالى : ( إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ) أو تقليدا والتقليد مذموم فثبت أن تسبيحهم وتقديسهم إنما صار موجبا للافتخار ببركة العلم " ( 1 ) . وقال بتفسير ( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم . ) " إعلم أن هذا هو النعمة الرابعة من النعم العامة على جميع البشر ، وهو أنه سبحانه وتعالى جعل أبانا مسجود الملائكة ، وذلك لأنه تعالى ذكر تخصيص آدم بالخلافة أولا ، ثم تخصيصه بالعلم الكثير ثانيا ، ثم بلوغه في العلوم إلى أن صارت الملائكة عاجزين عن بلوغ درجته في العلم ، وذكر الآن كونه مسجودا للملائكة " ( 2 ) .
هامش
( 1 ) تفسير الرازي : 1 / 199 . ( 2 ) تفسير الرازي : 1 / 211 .