تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩
الرياضات والتوسّل إلى مبدأ الحاجات والتضرع الجبلَّي إلى قاضي السؤالات . حتى أنّ في مسألة واحدة منها راجعت أربعين دفعة ! فما فهمت منها شيئا حتى آيست من حلّ ذلك العلم إلى أن انكشف لي بالرجوع إلى مبدأ الكلّ والتدلَّي إلى بارئ القلّ والجلّ . « 150 » مع أنّ خطاياه في ذلك العلم الأعلى أكثر كثير كما يظهر بالمراجعة إلى كتبه . فإذا كان هذا حال الشيخ الرئيس ، النابغة الكبرى والأعجوبة العظمى ، الَّذي لم يكن له في حدّة الذهن وجودة القريحة كفوا أحد ، فكيف بغيره من متعارف الناس ! وهذه نصيحة منّي على إخواني المؤمنين لئلَّا يهلكوا من حيث لا يعلمون . مطلع 8 إحاطة العقل المجرّد على ما دونه ، من الملك والملكوت ، ليست كإحاطة شيء محسوس بشيء محسوس حيث يكون الإحاطة فيه ببعض الجوانب والنهايات ، ولا يحيط بعضها ببعض إلَّا ببعض السطوح الخارجة عن الذات بل إحاطته من جميع الجوانب يحيط بباطن المحاط كما يحيط بظاهره . فإنّ إحاطته يكون بنحو السريان والنفوذ . فهو سار في حقائق العوالم وذواتها ولبّ الحقائق وإنّيّاتها لا يشذّ عن إحاطته الوجوديّة وسريانه المعنوي ذرّة في السماء والأرض من جواهرها وعوارضها الذاتيّة والمفارقة . وهو أقرب إليها من حبل الوريد « 151 » وأنفذ فيها من الأرواح في الأبدان . بل حضور العوالم عنده أشدّ وأعلى من حضورها عند أنفسها . كلّ ذلك ، لأنّ المادّة الَّتي هي مناط الغيريّة والتباعد عنه مفقودة والماهيّة التي هي أصل السوائيّة فيه مستهلكة مضمحلَّه ، لا حكم لها أصلا بل الحكم للوجود ، بل للوجود المطلق . وهو القاهر عليها والحاكم على كل إنّيّة وحقيقة . وإشارة إلى هذه الإحاطة الوجوديّة والسريان الذاتي قال معلَّم المشّاءين : إنّ الحقائق البسيطة تقتضي بذاتها لاستدارة حقيقية تامّة ، إلا أنّ المحيط فيها لا يحوي المركز كما الأمر في الدوائر الحسّيّة كذلك . بل الأمر في الدوائر العقليّة بعكس الدوائر الحسّيّة . ونحن قد أشرنا إلى لمعة من التحقيق لهذا السرّ في « المشكاة الأولى » فراجع .
هامش
« 150 » - عن رواية عبد الواحد الجوز جانى ، تلميذ ابن سينا ، لسيرة أستاذه . سرگذشت ابن سينا لسعيد النفيسى ، ص 3 . « 151 » - مقتبس من الآية 16 من سورة « ق » .