مطلع 9
إنّ الحقيقة العقليّة التامّة المجرّدة حاكمة على ما سواها ، من الحقائق العقليّة والنفوس الكليّة والجزئيّة الملكوتيّة والبدعيّات والكائنات الملكيّة الناسوتيّة ، ترشدها إلى طرق الهداية والاستقامة والكمال ، وتسوقها إلى بارئها المتعال ، وتقودها إلى فناء الربّ ذي الجلال ولولاها لما عبد الله وما وحّد وما أطيع وما سجد . فالعقل هو الَّذي أرسله الله إلى سكَّان جميع العوالم ، ليهديها السواء الصراط . فقال له : أقبل إلى المسجونين في ظلمات العوالم الخلقية من عالمك الأمري فأرشدهم إلى دار السرور وعالم يغلو فيه النور على نور . فظهر في كلّ حقيقة بقدر الاستعداد إطاعة لأمر ربّ العباد فهداهم إلى عالم الأسرار ودعاهم إلى محفل الأنس ودار القرار . ثمّ بعد الإرشاد والهداية ، أمره بالرجوع بجميع مظاهره من عالم الدنيا إلى الغاية القصوى والرفيق الأعلى فقال له : أدبر فأدبر . وهذه الحقيقة هي الَّتي أعطاها الله تعالى الجنود « 152 » في بعض المظاهر المناسبة من عالم القدس ، لتقاوم جنود الشيطان وتغلب عليها ، وتقود الخلق إلى حزب الرحمن وأودعت فيها من حقائق عالم الغيب الإلهي ، ليجذب من هو لائق الجذبة الرحمانيّة .
مطلع 10
فإذا انفتح بصيرتك بما ألقي إليك من الأصول وانكشف الامر لديك في ضمن القواعد والفصول ، يمكن لك أن ترتقى بقدم المعرفة إلى أوج الحقيقة ، فتعرف بعض ما أرمز في رواية الكافي الشريف عن مولانا ، أبي جعفر الباقر ، عليه الصلاة والسلام ، قال :
لمّا خلق الله تعالى العقل ، استنطقه . ثمّ قال له : أقبل . فأقبل .
ثمّ قال له : أدبر . فأدبر . ثمّ قال : وعزّتي وجلالي ، ما خلقت خلقا هو أحبّ إليّ منك ، ولا أكملتك إلَّا فيمن أحبّ . أما ، إنّي إيّاك آمر وإيّاك أنهى وإيّاك أثيب وإيّاك أعاقب . « 153 »
هامش
« 152 » - « الأصول » من الكافي ، ج 1 ، ص 20 ، « كتاب العقل والجهل » ، الحديث 14 .
« 153 » - « الأصول » من الكافي ، ج 1 ، ص 10 ، « كتاب العقل والجهل » ، الحديث 1 .