لها حكم حتّى يقال في حقّها إنّها صادرة أو غير صادرة .
وأمّا العرفاء الشامخون والأولياء المهاجرون لمّا كان نظرهم إلى الوحدة وعدم شهود الكثرة ، لم ينظروا إلى تعيّنات العوالم ، ملكها أو ملكوتها ، ناسوتها أو جبروتها . ويروا أنّ تعيّنات الوجود المطلق ، المعبّر عنها ب « الماهيات » و « العوالم » أيّة عوالم كانت ، اعتبار وخيال ولذا قيل : العالم عند الأحرار خيال في خيال . « 132 »
وقال الشيخ الكبير ، محيي الدين « 133 » : العالم غيب ما ظهر قطَّ والحقّ ظاهر ما غاب قطَّ . « 134 » انتهى . فما كان في دار التحقّق والوجود ومحفل الغيب والشهود إلا الحقّ ، ظاهرا وباطنا ، أوّلا وآخرا . وما وراءه من تلبيسات الوهم واختراعات الخيال .
مطلع 5
بل نرجع ونقول : إنّ كلام المحقّق القونوي أيضا ليس عند العرفاء الكاملين بشيء بل ما توهّم أنّه من كلمات الأولياء الشامخين ، عندهم فاسد وفي سوق أهل المعرفة كاسد . فإنّ الصدور لا بدّ من مصدر وصادر ، ويتقوّم بالغيريّة والسوائيّة . وهي مخالفة لطريقة أصحاب العرفان وغير مناسبة لذوق أرباب الإيقان . ولذا تراهم يعبّرون عن ذلك ، حيث يعبّرون ، ب « الظهور » و « التجلَّي » . أمن وراء الحقّ شيء حتّى ينسب الصدور إليه ؟ بل « هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ » . « 135 » قال مولانا ، أبو عبد الله الحسين ، عليه الصلاة والسلام ، في دعاء « عرفة » : ألغيرك من الظهور ما ليس لك ؟ « 136 » صدق وليّ الله ، وروحي له الفداء . فالعالم بجهة السوائيّة ما ظهر قطَّ والكلَّي الطبيعي غير موجود في نظر أهل الحقّ وبغيرها ، هو اسمه « الظاهر » .
مطلع 6
هذا حكم من غلب عليه سلطان الوحدة ، وتجلَّى الحقّ بالقهر على جبل إنّيّته وجعله دكَّا دكَّا وظهر عليه بالوحدة التامّة والمالكيّة العظمى كما يتجلَّى بذلك عند القيامة الكبرى . وأمّا الَّذي يشاهد الكثرة بلا احتجاب عن الوحدة ، ويرى الوحدة بلا غفلة عن الكثرة ، يعطي كلّ ذي حقّ حقّه فهو مظهر « الحكم العدل »
هامش
« 132 » - التعليقة 77 .
« 133 » - التعليقة 18 .
« 134 » - قال بعض أهل المعرفة : « ان العالم غيب لم يظهر قط والحق تعالى هو الظاهر ما غاب قط » . كلمات مكنونة ، ص 11 .
« 135 » - ( الحديد / 3 ) .
« 136 » - التعليقة 87 .