مطلع 3
هل بلغك اختلاف ظاهر كلمات الحكماء المتألَّهين والفلاسفة الأقدمين ، كمفيد الصناعة ومعلَّمها ، ومن يتلوه من المحقّقين مع كلمات العرفاء الشامخين والمشايخ العارفين في كيفيّة الصدور وتعيين أوّل ما صدر من المبدأ الأوّل ؟ قال في « الميمر » العاشر من أثولوجيا :
فإن قال قائل : كيف يمكن أن تكون الأشياء من الواحد المبسوط الَّذي ليس فيه ثنويّة ولا كثرة بجهة من الجهات ؟ قلنا : لأنّه واحد محض مبسوط ، ليس فيه شيء من الأشياء فلمّا كان واحدا محضا ، انبجست منه الأشياء كلَّها . وذلك أنّه لمّا لم يكن له هويّة ، انبجست منه الهويّة . وأقول واختصر القول : إنّه لمّا لم يكن شيئا من الأشياء ، رأيت الأشياء كلَّها منه ، غير أنّه وإن كانت الأشياء كلَّها إنّما انبجست منه فإنّ الهويّة الأولي ، أعني بها هويّة العقل ، هي الَّتي انبجست منه أوّلا ، بلا وسط . ثمّ انبجست منه جميع هويّات الأشياء الَّتي في العالم الأعلى والعالم الأسفل بتوسّط هويّة العقل والعالم العقلي . « 121 »
انتهى كلامه .
ثمّ شرع في البرهان علي مطلبه . وليس لنا الحاجة إليه . وإليه يرجع كلام سائر المحقّقين ، كرئيس فلا سفة الإسلام « 122 » في الشفاء « 123 » وغيره من مسفوراته ، والشيخ المقتول ، « 124 » وغيرهما من أساطين الحكمة وأئمّة الفلسفة .
وقال الطائفة الثانية : إنّ أوّل ما صدر منه تعالى وظهر عن حضرة الجمع ، هو الوجود العام المنبسط على هياكل الموجودات المشار إليه بقوله تعالى : « وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ . » « 125 » و « فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْه ُ الله . » « 126 »
قال الشيخ صدر الدين القونوي ، « 127 » خليفة الشيخ الكبير ، محيي الدين ، في نصوصه :
والحقّ سبحانه من حيث وحدة وجوده لم يصدر عنه إلا واحد ،
هامش
« 121 » - أثولوجيا ، ص 293 .
« 122 » - حسين بن عبد اللَّه بن سينا ( حوالي 370 - 427 أو 428 ه . ) المشهور ب « أبى علي بن سينا » و « الشيخ الرئيس » من فحول حكماء الإسلام . مشارك في جميع معارف عصره . رزق من حدة الذهن وسعة الحفظ جانبا . وكان من اجتهاده في التحصيل وعكوفه إلى استيعاب أنواع المعلومات ان فرغ عن جميع علوم وقته وهو دون السابع عشر من عمره ! الَّف كتبا كثيرة الفوائد في فنون عديدة . منها : الإشارات والتنبيهات . وهو يشتمل على علم المنطق والطبيعيات والإلهيات . وقد شرحه كثيرون . منهم الفخر الرازي ونصير الدين الطوسي والشفاء . ويشتمل على علوم المنطق والرياضيات والطبيعيات والإلهيات . وهو كتاب عظيم مسهب . النجاة من الغرق في بحر الضلالات ، المبدأ والمعاد ، القانون في الطب ، التعليقات .
« 123 » - « الإلهيات » من الشفاء ، ص 402 ، « المقالة التاسعة » ، الفصل الرابع .
« 124 » - شرح حكمة الاشراق ، ص 342 ، « القسم الثاني » ، « المقالة الثانية » .
« 125 » - ( القمر / 50 ) .
« 126 » - ( البقرة / 115 ) .
« 127 » - التعليقة 38 .