تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
رويّة حين بلوغي إلى هذا المقام من الرسالة . وهو أنّ الحقيقة الغير المتعيّنة ، أيّة حقيقة كانت ، إذا صارت متعيّنة بالتعيّنات المتشتّتة اللاحقة لها ، لا تتعيّن بشيء منها ، إلَّا بما هو أسبق رتبة وأقدم مرتبة وذاتا أو بما هو أقدم زمانا ، إن كانت من الزمانيّات . وبالجملة ، يتعيّن ويتصوّر الحقيقة الغير المتعيّنة والمتصوّرة بالتعيّن الأسبق والصورة الأقدم . والماهيّة ، أينما حلَّت ، تتقدّم على لواحقها وأعراضها من التعلَّقات الملكوتيّة وتقدّراتها ولواحقها المادّيّة وأعراضها كما أنّ أصل التقدّر والتعلَّق متقدّمان على لواحقهما الآخر . فتصوّر الحقيقة أوّلا بالماهيّة ، ثمّ غيرها من اللواحق ، الأسبق فالأسبق . وعند التفتيش التّام والفحص الكامل عن حال مراتب الوجود وعالم النزول والصعود ، لا نرى فيها ما تعيّن بالماهيّة فقط ، دون لواحقها ، إلَّا الحقيقة العقليّة لا غير . وأمّا سائر الموجودات ، من أيّ عالم كان ، له تعيّن زائد على تعيّن الماهيّة فيجب أن يكون متأخّرا عنها ، وهي متقدّمة عليها ، تقدّما دهريّا كما أنّ تقدّم الحقيقة الغير المتعيّنة على المتعيّنات يكون تقدّما بالحقيقة بل تقدّما حقّانيّا أزليّا . ولا تظنّنّ أنّ تلك اللواحق ، أي التعلَّق والتقدّر الملكوتي والإنغمار في المادّة والكون تحت سلطان الزمان والتدريج ، كانت من لواحق الوجود وأعراضه ، لا الماهيّة ، لانفكاكها عنها في التعقّل والتعمّل العقلي . فإنّ ذلك ظنّ فاسد وخيال باطل . لأنّ سنخ ذات الملكوت هو التعلَّق والتقدّر وسنخ ذات الملك هو الإسارة بالمادّة ولواحقها ، لا يمكن انفكاكها ذاتا وتعقّلا ، خارجا وذهنا . ولهذا حدّدت « النفس » بأنّها كمال أوّل لجسم طبيعي آليّ وصار علم النفس من « الطبيعيّات » . « 1 » وقد أقام شيخ العرفاء الكاملين وأعظم الفلاسفة المعظَّمين ، صدر الحكماء والمتألَّهين ، « 111 » قدّس الله نفسه الشريفة ، البرهان على أنّ نفسيّة النفس في ابتداء نشأتها ليست من العوارض اللاحقة بذاتها ، لازمة كانت أو مفارقة . « 112 » كذلك أسر الصور الملكية بالمادّة ولواحقها ذاتا ممّا قام البرهان عليه . ولولا مخافة التوطيل لذكرنا ما يفيدك الاطمينان واليقين ، إلَّا أنّ الرسالة غير موضوعة لتحقيق تلك المباحث .
هامش
« 1 » قال الشيخ في الفصل الأوّل من الفنّ السادس من « الطبيعيّات » : واسم « النفس » يقع عليها لا من حيث جوهرها ، بل من حيث هي مدبّرة للأبدان ومقيسة إليها . فلذلك يؤخذ البدن في حدّها ، كما يؤخذ مثلا البناء في حدّ الباني وإن كان لا يؤخذ في حدّه من حيث هو إنسان . ولذلك صار النظر في النفس من العلم الطبيعي لأنّ النظر في النفس من حيث هي نفس نظر فيها من حيث لها علاقة بالمادّة والحركة . انتهى . منه دامت فيوضاته . « 111 » - محمد بن إبراهيم الشيرازي ( 979 - 1050 ه . ) لقب ب « صدر الدين » و « صدر المتألهين » واشتهر ب « المولى صدرا » من كبار حكماء الإسلام في القرن الحادي عشر . أسس مدرسته المعروفة ب « الحكمة المتعالية » وأحدث آرائه البديعة في الفلسفة ، والتي فاقت الفلسفات الأخرى وشغلت الحكماء من بعده بالبحث والتدريب فيها . من أساتذته الاجلاء : المحقق الداماد والمير فندرسكى وبهاء الدين العاملي . واشتهر من تلامذته الكثيرين : الفيض الكاشاني وعبد الرزاق اللاهيجي ، الملقب ب « فياض » . أعظم آثاره وأهمها : الاسفار الأربعة . ضمنها جل آرائه الفلسفية وتوسع في بيانها وتفصيلها . ومن سائر كتبه : تفسير القرآن الكريم ، شرح أصول الكافي ، المبدأ والمعاد ، مفاتيح الغيب ، الشواهد الربوبية ، اسرار الآيات ، وحاشية على كتاب الشفاء لابن سينا . « 112 » - الاسفار الأربعة ، ج 8 ، ص 12 ، « السفر الرابع » ، الباب الأول .
مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية — صفحة 60 | السيد الخميني / السيد جلال الدين الآشتياني