نور 18
لعلّ الأمانة المعروضة على السماوات والأرض والجبال الَّتي أبين أن يحملنها ، وحملها الإنسان الظلوم الجهول ، « 102 » هي هذا المقام الإطلاقي .
فإنّ السماوات والأرضين وما فيهنّ محدودات مقيّدات ، حتّى الأرواح الكليّة ومن شأن المقيّد أن يأبى عن الحقيقة الإطلاقيّة والأمانة هي ظلّ الله المطلق ، وظلّ المطلق مطلق ، يأبى كلّ متعيّن عن حملها . وأمّا الإنسان بمقام الظلوميّة الَّتي هي التجاوز عن قاطبة الحدودات والتخطَّي عن كافّة التعيّنات واللامقامى المشار إليه بقوله ، تعالى شأنه ، على ما قيل : « يا أَهْلَ يَثْرِبَ ، لا مُقامَ لَكُمْ . » « 103 » والجهوليّة الَّتي هي الفناء عن الفناء قابل لحملها . فحملها بحقيقتها الإطلاقيّة حين وصوله إلى مقام « قابَ قَوْسَيْنِ » . وتفكَّر في قوله تعالى : « أَوْ أَدْنى . » « 104 » وأطف السراج ، فقد طلع الصبح . « 105 »
نور 19
اعلم ، هداك الله طريق الصواب ، أنّ هذا المقام ، أي الظهور بمقام النبوّة في النشأة العينيّة وإظهار الحقائق الغيبيّة والأسماء الإلهيّة طبقا لصور الأسماء في النشأة العلمية والأعيان الثابتة ، هو النبوّة للإنسان الكامل أي ، الحقيقة المحمديّة ( ص ) في النشأة الثانية ، بل في الحضرة الثالثة ، لمكان اتحاد الظاهر والمظهر خصوصا المظهر الأتمّ الإطلاقي الَّذي لا تعيّن ولا نفسيّة له .
فالمقام الأوّل ، هو الإنباء بالحقيقة الجمعيّة والاسم الأعظم ، أحدية جمع الأسماء ، عن لسان غيب الغيوب للحضرات الأسمائيّة وفي مقام الواحديّة .
والمقام الثاني ، هو الإنباء بالمظهر الأتمّ والمجلي الأعظم ، أي العين الثابتة الإنسانيّة ، عن لسان الحقيقة الجمعيّة ، أي الاسم الأعظم بل عن لسان الغيب أيضا ، لعدم الحجاب أصلا لصور الأسماء الإلهيّة ، أي الأعيان الثابتة .
ومقامنا هذا ، أي ثالث المقامات الَّذي كلامنا فيه ، هو الإنباء بالمظهر الأتمّ في النشأة العينيّة ، أي الحقيقة الإنسانيّة في عالم الأمر ، عن لسان العين الثابتة حقيقتها العلميّة ، بل عن الاسم الأعظم بل عن مقام الغيب ، لما عرفت .
هامش
« 102 » - إشارة إلى الآية المباركة : « إِنَّا عَرَضْنَا الأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الإِنْسانُ إِنَّه ُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا . » ( الأحزاب / 72 ) .
« 103 » - ( الأحزاب / 13 ) .
« 104 » - ( النجم / 9 ) .
« 105 » - أورده القاضي نور اللَّه التستري ضمن حديث لعليّ ( ع ) . مجالس المؤمنين ، ج 2 ، ص 11 ، « المجلس » السادس . وأيضا : كلمات مكنونة ، ص 32 .