نور 16
إنّ النبوّة في ذلك المقام الشامخ هي إظهار الحقائق الإلهيّة والأسماء والصفات الربوبيّة في النشأة العينيّة طبقا للإنباء الحقيقة الغيبيّة في النشأة العلميّة . ومن ذاك المقام أعطى كلّ ذي حقّ حقّه ، بإكمال المستعدّين وإيصال القابلين إلى كمالاتها اللائقة والمترقّبة . فإنّ مقام « الرحمانيّة » الَّتي هي مقام بسط الوجود ومقام « الرحيميّة » الَّتي هي مقام بسط كمال الوجود من ذاك المقام وهو أحديّة جمعهما . ولهذا جعل « الرّحمن الرّحيم » تابعين لاسم « الله » في قوله تعالى :
« بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ » وقال الشيخ العربي « 97 » في فتوحاته : ظهر العالم ببسم الله الرّحمن الرّحيم . « 98 » انتهى . وهو الرسول على سكَّان عالمي الغيب والشهادة ، والناطق بالحقّ عن مقام الجمع على قطَّان سكنة الملك والملكوت .
نور 17
أوّل من آمن بهذا الرسول الغيبي والوليّ الحقيقي ، هو سكَّان سكنة الجبروت من الأنوار القاهرة النوريّة والأقلام الإلهيّة العالية . فهي أوّل ظهور بسط الفيض ومدّ الظلّ كما قال النبي ، صلَّى الله عليه وآله : أوّل ما خلق الله نوري . أو « روحي » . « 99 »
ثمّ ، على الترتيب النزولي من العالي إلى السافل ، ومن الصاعد إلى النازل ، حتى انتهى الأمر إلى عالم المادّة والمادّيات وسكَّان أراضي السافلات ، بلا تعصّ ولا استنكار . وهذا أحد معاني قوله ، صلى الله عليه وآله وسلم : آدم ومن دونه تحت لوائي . « 100 » وأحد معاني عرض الولاية على جميع الموجودات .
وأمّا عدم قبول بعضها - كما في الخبر « 101 » - فمبنيّ على نقصان القابلية والاستعداد من قبول الكمال لا عدم القبول مطلقا ، حتّى في مقام الوجود ، بل في مقام كماله . وبعبارة أخرى ، قبول مقام « الرحمانيّة » ، وعدم قبول مقام « الرحيميّة » .
وإلا فكلّ موجود على مقدار سعة وجوده وقابليته قبل الولاية والخلافة الباطنيتين وهما نافذتان في أقطار السماوات والأرضين كما نطق به الأحاديث الشريفة .
هامش
« 97 » - التعليقة 18 .
« 98 » - الفتوحات المكية ، ج 2 ، ص 133 ، « السفر الثاني » ، الباب الخامس .
« 99 » - بحار الأنوار ، ج 15 ، ص 24 ، « تاريخ نبينا » ، الباب الأول ، الحديث 44 . وأيضا : ج 25 ، ص 22 .
« 100 » - بحار الأنوار ، ج 16 ، ص 402 ، « تاريخ نبينا » ، الباب الثاني عشر ، الحديث 1 .
« 101 » - بحار الأنوار ، ج 27 ، ص 280 - 281 ، « كتاب الإمامة » ، الباب ( 17 ) ، الحديث 3 و 5 . وأيضا : ج 25 ، ص 17 ، الباب الأول ، الحديث 31 .