أصحاب الوحي والتنزيل ، التصريح به بل كلَّما وصلوا إليه ، رمزوا بالقول رمزا ، ورفضوا التصريح به رفضا .
وما وقع من الشطحيّات من بعض أصحاب المكاشفة والسلوك وأرباب الرياضة ، فهو لنقصان سلوكهم وبقاء الأنانيّة في سرّهم أو سرّ سرّهم فتجلَّى عليهم أنفسهم بالفرعونيّة .
وأمّا السالكون على طريق الشريعة ، مع رفض الأنانيّة بجملتها وترك العبوديّة لأنفسهم برمّتها ، مع طهارتها وعدم التوجّه إلى إظهار القدرة والسلطنة والفرعونيّة ، فهم في أعلى مرتبة التوحيد والتقديس ، وأجلّ مقامات التكثير ولم يكن التكثير حجابا لهم عن التوحيد ولا التوحيد عن التكثير لقوّة سلوكهم وطهارة نفوسهم وعدم ظهورهم بالربوبيّة الَّتي هي شأن الربّ المطلق . مع أنّ هيولى عالم الإمكان مسخّرة تحت يدي الوليّ ، يقلَّبها كيف يشاء . وجاء لهم في هذا العالم الكتاب من الله العزيز الَّذي أخبر عنه رسول الله ، صلَّى الله عليه وآله - على ما نقل - مخاطبا لأهل الجنّة :
من الحيّ القيّوم الَّذي لا يموت إلى الحيّ القيّوم الَّذي لا يموت . أمّا بعد ، فإنّي أقول للشّيء : كن ، فيكون وقد جعلتك تقول للشّيء : كن ، فيكون . فقال ( ص ) : فلا يقول أحد من أهل الجنّة للشّيء كن ، إلَّا ويكون . « 90 »
نور 14
ومن ذلك المقام إباء الأنبياء المرسلين والأولياء الراشدين ، صلوات الله عليهم أجمعين ، عن إظهار المعجزات والكرامات الَّتي أصولها إظهار الربوبيّة والقدرة والسلطنة والولاية في العوالم العالية والسافلة ، إلَّا في موارد اقتضت المصلحة لإظهارها . وفيها أيضا كانوا يصلَّون ويتوجّهون إلى ربّ الأرباب بإظهار الذلَّة والمسكنة والعبوديّة ورفض الأنانيّة ، وإيكال الأمر إلى بارئه واستدعاء الإظهار عن جاعله ومنشئه ، علت قدرته . مع أنّ تلك الربوبيّة الظاهرة بأيديهم ، عليهم السلام ، هي ربوبيّة الحقّ ، جلّ وعلا ، إلَّا أنّهم عن إظهارها بأيديهم أيضا يأبون .
هامش
« 90 » - علم اليقين ، ج 2 ، ص 1061 ( مع اختلاف يسير ) .