تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
* ( فاتَكُمْ ] ) * من نعم الدنيا يقال : أسى على مصيبة أي حزن * ( [ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ ] ) * وأعطاكم فإنّ من علم أنّ كلَّا من المصيبة والنعمة مقدّر يذهب ما قدّر فواته ويأتي ما قدّر إتيانه لا محالة لا يعظم جزعه على ما فات ولا فرحه بما هو آت ، قيل لبزرجمهر : أيّها الحكيم مالك لا تحزن على ما فات ولا تفرح بما هو آت ؟ قال : لأنّ الفائت لا يتلافى بالعبرة والآتي لا يستدام بالحبرة أي بالسرور . والمراد من الآية نفي الأسى المانع لأمر اللَّه والفرح الموجب للبطر والاختيال ولذا عقّب بقوله : * ( [ وَاللَّه ُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ ] ) * فإنّ من فرح بالحظوظ الدنيوية اختال وافتخر بها لا محالة والمختال المعجب المتكبّر من تخيّل فضيلة تتراءى للإنسان من نفسه ومنها يتأوّل لفظ الخيل لما قيل : إنّه لا يركب أحد فرسا إلَّا وجد في نفسه نخرة كأنّ الخضراء له عرشت والغبراء باسمه فرشت وكسرى حامل غاشيته وقيصر راعي ماشيته وإسكندر قهرمان حاشيته . وفي الآية إشارة إلى أنّه يلزم أن يثبت الإنسان على حال في السرّاء والضرّاء فإن كان لا بدّ له من فرح فليفرح شكرا لا بطرا وإن كان لا بدّ من حزن فليحزن صبرا على بلائه لا ضجرا . قال قتيبة بن سعيد دخلت على أحياء العرب فإذا أنا بفضاء مملوّ من الإبل الميّتة بحيث لا تحصى ورأيت شخصا على تلّ يغزل صوفا فسألته فقال : كانت باسمي فارتجعها من أعطاها وما سرّني أنّها لي في مباركها وما حزنني أنّها خرجت من ملكي . ومثل هذا يكون دأب الصالحين ولا يجري عليهم أحلام التلوين والاضطراب في اليقين بل لصاحب المال مصيبتان : يسلب عن كلَّه ويسأل عن كلَّه . * ( [ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ] ) * بدل من كلّ مختال فإنّ المتكبّر بالمال يضنّ به غالبا ويأمر غيره به والبخل إمساك المقتنيات عمّا يحقّ إخراجها فيه وفي الحديث : أربعة لا يجدون ريح الجنّة وإنّ ريحها ليوجد في مسيرة خمسمائة عام : البخيل والمنّان ومدمن الخمر والعاقّ للوالدين . * ( [ وَمَنْ يَتَوَلَّ ] ) * ويعرض عن الإنفاق ولا يخرج من ماله حقّ اللَّه * ( [ فَإِنَّ اللَّه َ هُوَ