تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 70

مساهمون:

ص٧٠
برأسه لا يمكنه من أن يطأطئ رأسه لأنّ المغلول تكون يده مجموعة في الغلّ إلى عنقه والمغلول الَّذي بلغ الغلّ ذقنه بقي مقمحا رافع الرأس لا يبصر طريق قدميه وهو كناية عن عدم هدايته إلى الطريق الحقّ فهذا الَّذي يهديه النبيّ إلى الصراط المستقيم وهو يعاند ويمتنع عن قبول قوله جعل ممنوعا كالمغلول . وثانيها أنّ المعنى كان هذا القرآن أغلالا في أعناقهم يمنعهم عن الخضوع لتدبّره واستماعه لاستثقالهم أحكامه وأنّهم لمّا استكبروا عنه وأنفوا من اتّباعه وكان المستكبر رافعا رأسه ولاويا عنقه شامخا بأنفه لا ينظر إلى الأرض صاروا كأنّما غلَّت أيديهم إلى أعناقهم وهذا المعنى قريب في الجملة إلى الوجه الأوّل . وثالثها أنّ المعنى على سبيل الحقيقة وذلك أنّ ناسا من قريش همّوا بقتل النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فجعلت أيديهم إلى أعناقهم فلم يستطيعوا أن يبسطوا إليه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم كما بيّنّا في نزول الآية هذا المعنى . ورابعها أنّ المراد به وصف حالهم يوم القيامة فهو مثل قوله : « إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ » وإنّما ذكره بلفظ الماضي للتحقيق وقوله : « فَهُمْ مُقْمَحُونَ » أي متأبّون قهرا أن يطأطئون رؤوسهم بسبب الغلّ يقال : بعير قامح إذا رفع رأسه فلم يشرب الماء ولم يطأطئه للشرب والإيمان كالماء الزلال الَّذي به الحياة وهذا الكافر يمتنع عن قبول الإيمان فيهلك كما يهلك البعير القامح . قوله تعالى : * ( [ وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ] ) * وفي الآية بيان معبّر عن خذلان اللَّه إيّاهم لمّا كفروا أي تركناهم مخذولين فصار خذلانهم سدّا بين أيديهم ومن خلفهم وإذا فسّر الآية بأنّها وصف حال المشركين في الآخرة على بيان الوجه الرابع من الوجوه المذكورة الأربعة فالكلام على حقيقته ويكون عبارة عن ضيق المكان في النار بحيث لا يجدون متقدّما ولا متأخّرا إذ سدّ عليهم جوانبهم وإذا حملناه على صفة القوم الَّذين همّوا بقتل النبيّ فالمراد جعلنا بين أيدي أولئك الكفّار منعا ومن خلفهم منعا حتّى لم يبصروا النبيّ فأغشينا أبصارهم فهم لا يبصرون النبيّ وقرئ بالعين المهملة والمعنى مناسب مأخوذ من العشواء وقيل : فأغشيناهم
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 70 | مير سيد علي الحائري الطهراني