وأمّا بالنصب فتقديره : أتل يس أو يكون مبنيّة بالفتح كأين وكيف وقرئ بالكسر مثل جير لإسكان الياء وكسرة ما قبلها ولا يجوز أن يقال بالكسر لأنّ إضمار الجارّ غير جائز وليس فيه حرف جرّ وقسم .
* ( [ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ] ) * هذه الجملة مقسم عليه .
فإن قيل : إنّ المطالب تثبت بالدليل لا بالقسم فما الحكمة في الإقسام في القرآن ؟
فيه وجوه :
الأول : أنّ العرب كانوا يتوقّون الأيمان الكاذبة وكانوا يقولون ويعتقدون أنّ اليمين الكاذبة توجب خراب العالم وصحّح النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ذلك بقوله : اليمين الكاذبة تدع الديار بلاقع ، ثمّ إنّهم كانوا يقولون : إنّ النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم يصيبه من آلهتهم عذاب وهي الكواكب وكان النبيّ يحلف بأمر اللَّه وما كان يصيبه عذاب بل كان كلّ يوم أمنع مكانا وأرفع شأنا فكان القسم يوجب اعتقاد أنّه ليس بكاذب وما يراد من الدليل إلَّا إثبات المدّعى وحصول المطلوب .
الوجه الثاني : أنّ المناظر إذا أقام برهانه ولم يقبل طرفه بقوّة جدله وكابر لا يجوز أن يأتي المناظر بدليل آخر لأنّ المكابر يقول في الدليل الآخر مثل ما قاله في الدليل الأوّل ولا يقبل فلا يجد المناظر بدّا لإثبات مراده إلَّا اليمين فكذلك النبيّ لمّا أقام البراهين وقالت العرب : « ما هذا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ وقالوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ » « 1 » تعيّن التمسّك بالأيمان لعدم فائدة الدليل .
الثالث : هو أنّ هذا ليس مجرّد الحلف وإنّما هو دليل خرج في صورة اليمين لأنّ القرآن معجزة ودليل كونه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم مرسلا هو المعجزة والقرآن كذلك .
قوله : * ( [ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ] ) * خبر بعد خبر أي إنّك ثابت على صراط مستقيم والمستقيم أقرب الطرق إلى المقصد والدين كذلك فإنّه توجّه إلى اللَّه والمقصود أنّ محمّدا على الصراط المستقيم الَّذي يكون عليه المرسلون وفيه معنى لطيف يعلم منه فساد قول المباحيّة الَّذين يقولون : المكلَّف يصير وأصلا إلى الحقّ فلا يبقى عليه تكليف وذلك
هامش
( 1 ) سبأ : 44 وفي الآية سقط .