تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
* ( الأَرْضِ إِنَّه ُ كانَ عَلِيماً ] ) * بجميع الأشياء * ( [ قَدِيراً ] ) * على ما لا نهاية له وفي قوله : « وَما كانَ اللَّه ُ » الآية ، قطع لأطماع الجهّال بأن لو قال قائل : هب أنّ الأوّلين كانوا أشدّ قوّة وأطول أعمارا لكنّا نستخرج بذكائنا ما يزيد على قواهم ونستعين بأمور أرضيّة لها خواصّ أو كواكب سماويّة لها آثار مخصوصة فقال تعالى : « وَما كانَ اللَّه ُ لِيُعْجِزَه ُ » إلى قوله « عَلِيماً » بأفعالهم قديرا على إهلاكهم . ثمّ قال سبحانه : * ( [ وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّه ُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ] ) * لمّا هدّد اللَّه المكذّبين بمن مضى وكانوا يستعجلون العذاب من شدّة عنادهم وفساد عقائدهم ويقولون : عجّل لنا عذابنا فقال اللَّه تعالى في هذه الآية : للعذاب أجل واللَّه لا يؤاخذ الناس سريعا بنفس الظلم فإنّ الإنسان ظلوم جهول وإنّما يؤاخذ بالإصرار وحصول يأس الناس عن إيمانهم ووجود الإيمان ممّن كتب اللَّه إيمانه فإذا لم يبق فيهم من يؤمن يهلك المكذّبين ولو أخذهم بنفس الظلم لكان كلّ يوم إهلاك فقال سبحانه : ولو يؤاخذ اللَّه جميعا بما كسبوا من السيّئات كما فعل بأولئك ما ترك على ظهر الأرض من نسمة تدبّ عليها من بني آدم وقيل : من غيرهم أيضا من شؤم معاصيهم وهو المرويّ عن ابن مسعود وأنس . ويعضد القول الأوّل قوله تعالى : « وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى » وهو يوم القيامة والضمير في قوله : « ظَهْرِها » عائد إلى الأرض ولم يجر لها ذكر لدلالة الكلام على ذلك والعلم الحاصل به ممّا تقدّم في الآية وما تأخّر أمّا ما تقدّم فقوله : « وَما كانَ اللَّه ُ لِيُعْجِزَه ُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الأَرْضِ » فهو أقرب المذكورات الصالحة لعود الهاء إليها وأمّا ما تأخّر فقوله : « مِنْ دَابَّةٍ » لأنّ الدوابّ على ظهر الأرض . فلو قيل : إذا كان اللَّه يؤاخذ الناس بما كسبوا فما بال الدوابّ يهلكون ؟ فالجواب أنّ خلق الدوابّ نعمة فإذا كفر الناس يزيل اللَّه النعم والدوابّ أقرب النعم خصوصا للإنسان وأعلى درجات المخلوقات في النفع من عالم العناصر للإنسان الدوابّ فيزيل اللَّه هذه النعمة وإزالة هذه النعمة ليست عقوبة للدوابّ بل عقوبة للإنسان والدوابّ المخلوقة تبعا ونفعا للإنسان فإذا كان الهلاك عامّا للإنسان فلا يبقى من الإنسان من يعمر فلا تبقى الدوابّ .