أنّ نزول الماء بالطبع لثقله فيقال له : فالإخراج لا يمكنك أن تقول فيه : إنّه بالطبع فهو بإرادة اللَّه فلمّا كان ذلك أسنده إلى المتكلَّم مع أنّ قبله بصيغة الغائب .
قوله تعالى : * ( [ وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ ] ) * أي وممّا خلقنا من الجبال جدد بيض وحمر وفي الآية دلالة على القدرة ورادّة على من ينكر الإرادة في اختلاف الألوان والطعوم كأنّ قائلا يقول : اختلاف الثمرات لاختلاف البقاع ألا ترى أنّ بعض النباتات لا تنبت ببعض البلاد كالزعفران والدارچين فردّ سبحانه زعمهم الباطل بأنّ بعض الجبال بل جبل واحد فيه مواضع حمر والجدد جمع جدّة وهي الخطَّة والطريقة فطريقة حمراء متّصلة بخطَّ أسود .
* ( [ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها ] ) * الظاهر أنّ الاختلاف راجع إلى كلّ لون أي بيض مختلف ألوانها وحمر مختلف ألوانها لأنّ الأبيض قد يكون على لون الجصّ وقد يكون على لون التراب الأبيض وكذلك الأحمر ولو كان المراد أنّ البيض والحمر مختلف الألوان لكان مجرّد تأكّد ومعنى الأوّل آكد وأولى وقوله : « وَغَرابِيبُ سُودٌ » « وَغَرابِيبُ » تأكيد « للسود » أي سود غرابيب كالفاقع للأصفر .
فإن قيل : إنّ التأكيد لا يجيء إلَّا متأخّرا فكيف جاء « غَرابِيبُ سُودٌ » ؟ قال الزمخشريّ : « غَرابِيبُ » تأكيد لذي لون مقدّر في الكلام وتقديره سود غرابيب ثمّ أعاد السود مرّة أخرى فحينئذ فيه زيادة التأكيد لكونه ذكره مضمرا ومظهرا وقيل :
هو على التقديم والتأخير ويجوز أن يكون « سُودٌ » عطف بيان يبيّن غرابيب .
قوله : * ( [ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعامِ ] ) * وكذلك خلق سبحانه من النّاس والدوابّ الَّتي تدبّ على وجه الأرض والأنعام كالإبل والغنم والإبل كذلك مختلف اللون كاختلاف الثمرات والجبال وكما أنّها في أنفسها دلائل كذلك في اختلافها دلائل .
ثمّ تمّ الكلام وقال : * ( [ إِنَّما يَخْشَى اللَّه َ مِنْ عِبادِه ِ الْعُلَماءُ ] ) * الخشية بقدر المعرفة فالعالم يعرف اللَّه فيخافه ويرجوه و « إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّه ِ أَتْقاكُمْ » فبيّن أنّ الكرامة بقدر التقوى ثمّ قال : * ( [ إِنَّ اللَّه َ عَزِيزٌ غَفُورٌ ] ) * ذكر سبحانه ما يوجب الخوف والرجاء فكونه عزيرا ذا انتقام يوجب الخوف التامّ وكونه غفورا يوجب الرجاء البالغ وقراءة من قرأ
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 50
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص٥٠