يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً » « 1 » وهم الأنبياء الَّذين اصطفاهم اللَّه لدينه ومعرفته ولإرشاد الخلق إلى مصالح معادهم ومعاشهم وليس المراد من الحكماء المتقوّلين في الجواهر والأعراض وأمّا العلماء بصفات اللَّه فهم أصحاب الأصول وأمّا العلماء بأحكام اللَّه فهم الفقهاء فثبت من هذا التقرير أنّ أكمل من صدق عليه هذه الآية من الخلق محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وعليّ عليه السّلام ثمّ الأمثل فالأمثل .
قوله تعالى : * ( [ وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ] ) * أي الملَّة الحسنة الَّتي هي الإسلام والملَّة السيّئة الَّتي هي الكفر أو لا تستوي الأعمال الصالحة والأعمال القبيحة أو لا تستوي الخصلة الحسنة والسيّئة مثل أن لا يستوي الحلم والغضب والعلم والجهل والمداراة والغلظة والعفو والانتقام .
ثمّ بيّن سبحانه ما يلزم على الداعي من الرفق بالمدعوّ فقال : * ( [ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ] ) * أي ادفع بحقّك باطلهم بحلمك ورفقك وبعفوك إساءتهم * ( [ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَه ُ عَداوَةٌ كَأَنَّه ُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ] ) * فإنّك إذا دفعت خصومك بلين ومداراة صار عدوّك الَّذي يعاديك في الدّين بصورة وليّك القريب ويصير كأنّه حميمك في النسب وروي عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام إنّ الحسنة التقيّة والسيّئة الإذاعة .
* ( [ وَما يُلَقَّاها ] ) * أي وما يلقّى هذه الفعلة والحالة وهي دفع السيّئة بالحسنة * ( [ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا ] ) * على كظم الغيظ واحتمال المكروه وصبروا في الدنيا على الأذى عن الصادق عليه السّلام .
ولا يؤتاها * ( [ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ] ) * أي ذو نصيب وافر من الرأي والعقل وقيل : إلَّا ذو نصيب من الثواب والخير والجنّة .
أقول : إنّ من آتاه اللَّه قريحة قويّة ونصابا وافيا من العلوم في القرآن عرف أنّه سبحانه كيف علَّم نبيّه في إقامة الدعوة وآداب المناظرة .
وجمع في الآية طريق السلوك مع النفوس القاصرة والجدل في إثبات حجج الحقّ وكيف أدّب نبيّه بمكارم الأخلاق .
هامش
( 1 ) البقرة : 269 .