تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 293

مساهمون:

ص٢٩٣
وبالجملة ثمّ فصّل اللَّه أخبار الجاحدين بقوله : * ( [ فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ] ) * وأظهروا النخوة والكبر والاستعلاء واستخدامهم غيرهم بغير حقّ جعله اللَّه لهم بل للكفر والبغي الصرف واغترّوا بقوّتهم وكانوا مخصوصين بكبر الأجسام . * ( [ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّه َ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ] ) * فلو شاء أهلكهم فإن كانت الزيادة في القوّة توجب كون الناقص في طاعة الكامل فهذا الأمر توجب كونهم منقادين مطيعين للَّه لأنّه هو أقوى منهم * ( [ وَكانُوا بِآياتِنا ] ) * ودلائلنا * ( [ يَجْحَدُونَ ] ) * ولا يعترفون . ولمّا ثبت بالعقل أنّ مجامع الخصال الحميدة للعبد التعظيم للخالق والمولى والإحسان إلى خلقه فقوله : « وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ » مضادّ لتعظيم الخالق فقوله : « فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ » مضاد للإحسان إلى الخلق فهم قد بلغوا في الصفات الخبيثة المذمومة الموجبة للنفي والإبطال وإلى الغاية القصوى حبّا للدنيا . فلهذا المعنى سلَّط اللَّه العذاب عليهم فقال سبحانه :

[ سورة فصلت ( 41 ) : الآيات 16 إلى 20 ] فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ ( 16 ) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 17 ) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ( 18 ) وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّه ِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ( 19 ) حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 20 )

فأخبر سبحانه عن إهلاكهم بقوله : * ( [ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً ] ) * عاصفا شديدة الصوت من الصرّة وهي الصيحة « فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُه ُ فِي صَرَّةٍ » أو البرد بحيث شدّة البرد تحرق كما تحرق النار واشتقاق الصرصر من الصرير ضوعف اللفظ إشعارا بمضاعفة المعنى ، وصرّر قلبت أحد الراءين صادا كما يقال : نهه نهنهه وكفف كفكف . * ( [ فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ ] ) * قرئ بسكون الحاء وكسرها أي مشئومة عليهم وقيل : شديدة البرد والمعنى كان إرسال الريح في أيّام نكدات مشئومات ذوات نحوس أو ذوات غبار