شئت أو أبيت قال ابن عبّاس : أتت السماء بما فيها وأتت الأرض بما فيها وليس هناك أمر بالقول على الحقيقة ولا جواب لذلك القول بل المراد إنشاؤه سبحانه لهما من غير تعذّر ولا كلفة بمنزلة ما يقال للمأمور افعل فيفعل من غير فعبّر سبحانه عن ذلك بالأمر والإطاعة كقوله : « كُنْ فَيَكُونُ » .
وإنّما قال : « أَتَيْنا طائِعِينَ » ولم يقل : طائعتين لأنّ المعنى أتينا بمن فينا من العقلاء فغلب حكم العقلاء على التأنيث أو لمّا خوطبن خطاب من يعقل جمعن جمع من يعقل مثل قوله : « كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ » « 1 » ومثل هذا القول كثير في الكلام قال الشاعر :
ألا أنعم صباحا أيّها الرسم وانطق
وحدّث حديث الحيّ إن شئت واصدق
وقيل : إنّه تعالى ذكر السماء والأرض ثمّ ذكر الطوع والكره فيجوز أن ينصرف الطوع إلى السماء والكره إلى الأرض وتخصيص السماء بالطوع لأنّ الموجود في السماء ليس إلَّا الطاعة قال تعالى : « يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ » « 2 » وأهل الأرض ليس الأمر في حقّهم كذلك . ثمّ إنّ السماء في دوام حركتها على نهج واحد لا يختلف والأرض ليست كذلك وإنّ السماء من حيث اللون أفضل الألوان وهي المستنيرة وأشكالها أفضل الأشكال وهي المستديرة وأجرامها أفضل الأجرام وهي الكواكب النيّرة المتلألئة بخلاف الأرض فإنّها مكان الظلمة والكثافة واختلاف الأحوال وتغيّر الذوات والصفات فلا جرم وقع التعبير عن تكوّن السماء بالطوع والأرض بالكره .
قوله تعالى : * ( [ فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ ] ) * وقضاء الشيء إتمامه والفراغ منه والضمير في « فَقَضاهُنَّ » راجع إلى السماء على المعنى ويجوز أن يكون ضميرا مبهما مفسّرا بسبع سماوات والنصبين أحدهما على الحال والثاني على التمييز .
* ( [ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها ] ) * أي خلق في كلّ سماء بما أراد من وضعها من النيّرات وغيرها والملائكة وما فيها من البحار وجبال البرد قال السدّيّ : وللَّه في
هامش
( 1 ) الأنبياء : 33 .
( 2 ) النحل : 50 .