تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧
فإن قيل : إنّ من استدلّ بشيء على شيء فذلك الشيء المستدلّ به يجب أن يكون مسلَّما عند الخصم حتّى يصحّ الاستدلال به وكونه خالقا للأرض في يومين أمر لا يمكن إثباته بالعقل المحض وإنّما يمكن إثباته بالسمع ووحي الأنبياء وهم كانوا منازعين في الوحي والنبوّة فكيف تقرير هذه المقدّمة عليهم فحينئذ لا يبقى في الاستدلال بكونه خالقا للأرض في يومين أثر ؟ فالجواب أنّ كفّار مكّة كانوا يعتقدون في أهل الكتاب أنّهم أصحاب العلوم والحقائق وكانوا قد سمعوا منهم هذه المعاني واعتقدوا أنّها حقّة فحسن هذا الاستدلال . قوله : * ( [ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها ] ) * وجعل في الأرض جبالا ثابتات من فوق الأرض راسخات فيها * ( [ وَبارَكَ فِيها ] ) * بما خلق في الأرض من المنافع بأن أنبت فيها من غير غرس وأخرج نبتها من غير زرع وبذر يبذرونه من الكلاء وغيره وأودعها بما ينتفع العباد . * ( [ وَقَدَّرَ فِيها ] ) * أي في الأرض * ( [ أَقْواتَها ] ) * أي أرزاق أهلها على حسب الحاجة لقوام أبدان الناس وسائر الحيوان وقيل : قدّر في كلّ بلدة ما لم يجعله في الأخرى ليعيش بعضهم من بعض بالتجارة من بلد إلى بلد . * ( [ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ] ) * أي في تتمّة أربعة أيّام من حين ابتداء الخلق فاليومان الأوّلان داخلان فيها كما تقول : خرجت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيّام وإلى الكوفة في خمسة عشر يوما أي تتمّة خمسة عشر يوما . قال أبو السعود في قوله تعالى : « فِي يَوْمَيْنِ » أي حكم بأنّها ستوجد في مقدار يومين أو في نوبتين على أنّ ما يوجد في كلّ نوبة يوجد بأسرع ما يكون وإلَّا فاليوم الحقيقيّ إنّما يتحقّق بعد وجودها وتسوية السماوات وإبداع نيرانها وترتيب حركاتها انتهى كلامه . القميّ معنى يومين أي وقتين ابتداء الخلق وانقضاؤه قال : « وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها » أي لا تزل وتبقى في أربعة أيّام . * ( [ سَواءً ] ) * مرتّبا أي في أربعة أوقات قام به العالم واستوى وهي الأوقات الَّتي تخرج فيها أقوات العالم من الناس والبهائم والطير وحشرات الأرض وما في البرّ والبحر